*معادلة الممكن و المستحيل بعد هذه الحرب* *الشاذلي حامد المادح*
*معادلة الممكن و المستحيل بعد هذه الحرب*
*الشاذلي حامد المادح*
إن ما يمر به السودان منذ أبريل 2023م ليس مجرد (أزمة سياسية) أو (نزاع مسلح) تقليدي ، بل هو زلزال وجودي ضرب بنية الدولة و المجتمع . لتشريح هذا المشهد والوصول إلى (المبدئية الوطنية) ، يجب أن نضع النقاط على الحروف بعيداً عن المجاملات السياسية .
*أولاً : توصيف الحالة الراهنة (التشريح)*
ما يعيشه السودان الأن يتجاوز مصطلح (السيولة) الي ما يمكن تسميته بـ (مرحلة الفرز التاريخي الكبير) .
لقد انتهى عهد (الرمادية) ، فالحرب كشفت الأوزان الحقيقية و المواقف الأخلاقية . نحن في حالة (إعادة تأسيس قسرية) ، حيث لم يعد ممكناً ترميم القديم ، بل تجب صناعة عقد إجتماعي جديد يقوم على أنقاض الولاءات المشبوهة .
*ثانياً : المبدئية الوطنية (الفيصل في التعامل)*
الخلاصة التي تخرج بها تجارب الشعوب مثل فرنسا بعد الإحتلال النازي أو رواندا بعد التطهير تؤكد أن (العفو غير المشروط) هو وصفة لحروب قادمة . و أن المبدئية الوطنية للسودان يجب أن ترتكز على :
* وحدة الأدوات القتالية : لا وجود لأي كيان سياسي يمتلك جناحاً عسكرياً أو يتحالف مع مليشيا ضد الجيش الوطني .. أي خروج عن إحتكار الدولة للعنف هو خروج عن الوطنية .
* السيادة المسؤولة : الفرق بين (التعاون الدولي) و (العمالة) هو مصدر الأجندة . المبدئية تقضي بأن أي كيان يستقوي بالخارج لفرض واقع سياسي بالداخل هو كيان فاقد للأهلية الوطنية .
* المحاسبة الجنائية قبل السياسية : لا يجوز خلط (المصالحة) بـ (الإفلات من العقاب) . من قتل و إغتصب و نهب لا يُعامل كسياسي غاضب ، بل كـمجرم حرب .
*ثالثاً : الخطوط الحمراء (المحرمات الوطنية)*
هناك أفعال إذا إقترفها الفرد أو الكيان ، سقطت عنه (الحصانة الوطنية) و لا ينبغي أن يشمله عفو سياسي :
* الإستهداف الممنهج للهوية و الأرض : طرد المواطنين من بيوتهم و إحتلال الأعيان المدنية ليس موقفاً سياسياً ، بل هو تطهير يسقط حق العودة للمشهد السياسي .
* التواطؤ في تدمير البنية التحتية : من حرض أو شرعن تدمير موارد الدولة (المطارات ، محطات المياه ، السجلات المدنية) لا يمكن ائتمانه على إدارة الدولة غداً .
* الدعوة لتفكيك الدولة : التحريض على تقسيم السودان أو ضرب نسيجه الإجتماعي هو خط أحمر ينهي شرعية أي شخص أو حزب .
*رابعاً : الطريقة المثلى للتعامل مع العائدين*
الدولة القوية لا تغلق باب التوبة ، لكنها تضع (شروط الاسترداد) :
* الإعتراف الصريح : لا عودة دون إدانة واضحة للجرائم التي ارتُكبت و الإعتذار للشعب السوداني .
* فرز المسارات :
* المسار الجنائي : للمتورطين في الدماء و النهب (القضاء هو الفيصل) .
* المسار السياسي : لمن ضل الطريق سياسياً دون تلطخ يده بالدماء (يُعزل سياسياً لفترة إنتقالية لضمان عدم تكرار العمالة) .
* تجريد القوة : لا حوار مع من يحمل سلاحاً أو يستند إليه . السلاح يُسلم أولاً ، ثم يبدأ الحديث .
*خامساً : الخلاصة التي يحتاجها السودان ليستقيم*
السودان لم ينتهِ ، و لن ينتهي طالما هناك وعي يرفض (المبدأ الصفري) في المحاسبة . الخلاصة هي : (دولة القانون فوق ضرورة السياسة) .
إن أزمة السودان الكبرى كانت دائماً هي (التسويات الهشة) التي تعقب كل تمرد ، حيث يُكافأ المتمرد بمنصب ، و يُعفى عن العميل بصفقة .. الخلاص يكمن في إنهاء (ثقافة المكافأة على التمرد) ..
يجب أن يدرك الجميع أن ثمن خيانة الوطن هو (السقوط الأبدي) من ذاكرة السلطة و من حقوق المواطنة الفاعلة ، و أن الوطن ليس فندقاً نغادره عندما تشتعل فيه النار و نعود إليه لنحجز الأجنحة الملكية بعد إطفائها .
*الممكن* : بناء دولة المؤسسات و الجيش الواحد .
*المستحيل* : العودة لما قبل 15 أبريل بنفس الوجوه و التحالفات التي شرعنت الخراب .
