*سلفاكير ومحاولة الهروب من الحقيقة* * محمد الخطيب*
*سلفاكير ومحاولة الهروب من الحقيقة*
* محمد الخطيب*
كلما ضاقت المساحات أمام قادة جنوب السودان، عادوا للبحث عن خصم يعلقون عليه فشلهم التاريخي، وكأن الخراب الذي تعيشه دولتهم اليوم سببه الخرطوم، لا سنوات الفساد والاقتتال والارتهان للخارج.
حديث سلفاكير الأخير لم يكن خطاب رجل دولة يراجع تجربة انفصال صنعت مآسي جديدة، بل بدا كمن يحاول ترميم صورة سياسية مهترئة عبر استدعاء روايات قديمة لم تعد تقنع حتى شعبه نفسه.
الحقيقة التي لا يستطيع الهروب منها أن مشروع الانفصال لم يكن مشروعاً وطنياً مستقلاً كما يحاول تصويره، وإنما كان مشروعاً مدعوماً بالكامل من قوى دولية وإقليمية سخّرت المال والإعلام والمنظمات والضغوط السياسية لتحقيق هدف واحد: تمزيق السودان وإضعافه.
أمريكا كانت حاضرة.
إسرائيل كانت حاضرة.
الكنائس والمنظمات الغربية كانت تتحرك ليل نهار.
الضغوط السياسية والدبلوماسية كانت تُمارس على أعلى المستويات.
والحركة الشعبية نفسها لم تكن تخفي تحالفاتها ولا رهاناتها الخارجية.
فلماذا يتحدث اليوم وكأن الانفصال كان ملحمة بطولية خالصة؟
ومن الذي أوصل الجنوب إلى هذه الحالة بعد كل تلك الوعود البراقة بالدولة النموذجية؟
أين التنمية التي بشروا بها الناس؟
أين الأمن؟
أين المؤسسات؟
أين الدولة التي قيل إنها ستكون جنة أفريقيا الجديدة؟
الذي حدث أن الجنوب تحول بعد الانفصال إلى واحدة من أكثر المناطق اضطراباً وفقراً وفساداً في القارة، وغرقت قياداته في صراعات السلطة والنفوذ، وسالت دماء الجنوبيين بأيدي بعضهم البعض أكثر مما سالت في سنوات الحرب مع الشمال.
ثم يأتي سلفاكير اليوم ليتحدث عن “الاستقلال” وكأن التجربة نجحت!
أي استقلال هذا الذي جعل القرار السياسي مرهوناً بالخارج؟
وأي سيادة وهذه الدولة لا تزال تعيش على المعونات والتدخلات الأجنبية؟
وأي مشروع وطني هذا الذي فتح الأبواب لكل من أراد استخدام الجنوب منصة لاستهداف السودان؟
الأدهى من ذلك أن بعض قادة الجنوب لم يكتفوا بالعداء السياسي، بل اختاروا الوقوف في خنادق القوى التي تستهدف السودان وتغذي الحرب فيه، وتحولت أراضي الجنوب في أوقات كثيرة إلى ممرات ومناطق نفوذ وتحركات تخدم مشاريع الفوضى في المنطقة.
ومن المؤلم أن من كانوا يرفعون شعارات التحرر والكرامة الوطنية انتهوا إلى الارتماء الكامل في أحضان القوى الأجنبية والإقليمية، حتى أصبح القرار الجنوبي نفسه موزعاً بين المصالح والتحالفات والابتزاز السياسي.
أما السودان الذي كانوا يصورونه عدواً أزلياً، فقد مضى رغم الجراح، وظل محتفظاً بثقله وتاريخه وهويته، بينما ظل الجنوب يبحث عن نفسه وسط ركام الانقسامات.
الحقيقة التي لا يريد سلفاكير الاعتراف بها أن مشكلة الجنوب لم تكن يوماً في الشمال وحده، بل في النخب التي أدارت الدولة بعقلية الحرب والقبيلة والانتقام، ثم اكتشفت بعد سنوات أن الشعارات لا تبني وطناً، وأن التحالف مع الخارج لا يصنع استقراراً.
التاريخ اليوم أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
الانفصال لم يكن نهاية المأساة… بل بدايتها.
