منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

قيد في الأحوال لواء م. عثمان صديق البدوي

0

 

قيد في الأحوال

فُرقان شندي المنسية والبئر الأثرية !

أذكر ذلك اليوم جيداً ، من نهار رمضان ، من العام 2006 ، كنت وقتها مديراً لشرطة محلية شندي ، يدخل مكتبي ثلاثة من سكان الفرقان بمنطقة النقعة والمصورات ، جنوب شندي ، يقول محدثهم أنهم يشربون وماشيتهم من بئرٍ أثرية قديمة ، مضى عليها آلاف السنين ، عمقها 200 متر ، للحصول على دلو ماء ، يتم ربط مؤخِّرة الحبل حول عنق الجمل ، ويقود صبي ذلك الجمل ، لمسافة مائتي متر ، حتى يخرج دلو مليئ بالماء ! ، سكت الرجل ، وقال ، أمس حدث شئ غريب ! ، بينما هم يسقون ، إذ يفاجئوا بكميات من الضان تنفق حول البئر بعد شرابها الماء !.

وبما أنّ الأمر أمر ماء وحياة ، تم الإتفاق بتحرك لجنة أمن المحلية فوراً لمعاينة مكان البئر المنكوبة ، واستصحاب “تانكر ” مياه من الفرقة الثالثة مشاه ، وكمية من البراميل لتوزيعها على أهل القرية . المنتشرين في شكل “فرقان” وملأ البراميل بالمياه .

وبعد وصولنا هناك ، كانت المفاجأة ، وعِظم الكارثة ، حيث لم يكن في مخيلتنا ما رأيناه ! ، مئات الماشية من ضان وخرفان ، نافقة ، منتشرة ، ميِّتة هامدة منتفخة ، حول البئر ، ووجوه كالحة ، بجانبها واجمون من هول الصدمة !.

ستمائة وخمسون من الماشية ، حسبناها عدّاً ، قد نفقت ! .
تم توزيع براميل الماء على البيوتات المتناثرة المتهالكة ، والرواكيب المبنية من عويدات الطندب والكِتِر البائسة ، المعروشة ببروش ، وشِمال قديمة رثّة ، تتطاير عروشها وبروشها مع أول رياح للخريف ، ولا تحجب شمس الهجير والزمهرير ، عن الرُّضّع الصغار الذين يضجّون ، ويتصارخون ، وتحضنهم الأمّهات بحنانهن ، يتوارين خجلاً من القادم ! ، بدلاً من أن يخجل القادم !!…. ولكن من أين لهن ما يُسكت الصغار ، ويسد الرمق ، وضرع الأم ، والبهيمة قد جفّ !

مشهد مأساوي ، يحكي عن نفسه !، قال المدير التنفيذي ، رئيس لجنة الأمن وقتها ، “أبو بكر كاكوم”، أمد الله في أيامه ، لمحدثهم إنّ الوضع لا يحتاج لشرح ، وأخفي دمعة كادت أن تسقط ، أدار لها ظهره سريعاً ! ، متجهاً نحو العربة ، ونحن وقوفٌ بجانب العربة ، تم الإتفاق على الفور ، بأخذ عينة من البئر ، وإغلاقها تماماً ، حين التزم مندوب الجيش باستمرار جلب الماء يومياً لأهل القرية ، لحين البت في أمر البئر .

عدنا أدراجنا لرئاسة المحلية ، واجتمعنا كلجنة أمن فوراً ، ورفع تقرير عاجل لرئاسة حكومة ولاية نهر النيل ، يعكس مأساة ما شهدناه عياناً بياناً .

ويمر اليوم الأول … والثاني.. والأسبوع ، ويأتي الرد الصادم من معمل “استاك” بعدم صلاحية ماء البئر للشرب ! ، ويجب دفنها فورا .

تم عكس تقرير معمل “استاك”، مع التوصية بحفر بئر جديدة ، وظللنا نترقب “الحفّارة” ، وتلقِّي الوعود .

مضى شهر رمضان ، وجاء العيد ، وأهل تلك البادية النائية ، على ذاك الحال ! ، وتمضي الشهور ، وتفرّقُّنا التنقلات عن المشهد .

ونعود لشندي في إحدى الإجازات ، وإذا بأحد مواطني منطقة المصورات ، الذي جاء مع الوفد قبل أشهر ، يقابلني في سوق شندي ، وأسأله عمّا إذا كانت حكومة الولاية قد أوفت بوعدها ، وحفرت البئر ، وكان الرد المؤلم :”والله يا جنابو … وكيلك الله ، لا مقابلتي ليك دي ، زوووول أخد خبرنا مافي ! ، وناس الجيش ، نشكُرُن ليك ، أصلهم ما انقطعوا مننا …. يومي ” التنكر ” يجيب الموية…. عِلّا رِتينا في حالُم … توكّلنا على الله ، ونزّلنا ” أمحمد ود الطاهر” في البير ، نضّفا تب .. ولا كلامي المعاك ده نحن وغنمنا ، نشرب منها .. الحبّا دي ما جاتنا ” !!.

وبعد عشرين عاماً من مأساة أهل النقعة والمصورات ، إذ أطلع أمس على الخبر السار المفرح ، بقيام المدير التنفيذي لمحلية شندي ، الأستاذ الحاج بله أحمد سومي ، بزيارة لتلك المناطق الخلوية الأثرية ،وافتتاح عدد من محطات المياه، التي تعمل بالطاقة الشمسية .

إنّ منطقة “المصورات” ، تصور مشهداً واحد من “فظاعة المشهد”! ، مأساة رعايا يبعدون عن (شندي المدينة) “كيلو متيرات” ! ، يصلهم ( الري ) أمس ، منذ إستقلال (56) ! ، الذي يُعيِّر به البعض سامحهم الله !! ، وهناك العديد من المناطق (المُهمّشة ) المنسية ، في ود القنجة ، والدوشين والتميد ، والقهيد ، التي تعاني الأمرّين ، الفقر والعطش !، ولا إعلام محلي ولا (حدث) …ولا ( عدس )!.. ونحدِّث…. ولا حرج .. وسنكتب ، إن مدّ الله في الأيام .. ونقول ، و ” لا همّانا في القايِل”.. حتى ينصلح حال ولايتنا المايِل !!!.

آخر القيود :
شكراً الأخ المدير التنفيذي للمحلية ، لتفقدك تلك المناطق المنسية ، وعلى ما قمت به من مواقف إنسانية ، وإن كان هذا هو واجبك… لكن القليل الذي يعرف الواجب .

لكن …. الله غالب

لواء شرطة م
عثمان صديق البدوي
8 يوليو 2026
قيد رقم (703 )

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.