أمواج ناعمة السودان: هدر الفرص وخسارة التحالفات د. ياسر محجوب الحسين
أمواج ناعمة
السودان: هدر الفرص وخسارة التحالفات
د. ياسر محجوب الحسين
في زمن أصبحت فيه التكتلات الإقليمية والدولية عنوان القوة، وأضحت المصالح المشتركة هي اللغة التي تتخاطب بها الأمم، يقف السودان وحيدا في مواجهة حرب وجودية ذات أبعاد دولية متعددة الأطراف، وقد أخفق – على الأقل – منذ بداية حرب الجنجويد، في بناء تحالف استراتيجي يحمي سيادته ويصون مصالحه. فلم تعرف قيادته عبر التاريخ إلا تحالفات عابرة، فرضتها ضرورات اللحظة، ولم تصنعها رؤية الدولة، حتى غدا السودان ينتقل من فرصة ضائعة إلى أخرى، بينما يعيد العالم من حوله رسم خرائط النفوذ.
لقد فات السودان قطار التحالف الاستراتيجي مع روسيا في وقت كانت موسكو راغبة بشدة وتسعى إلى تثبيت حضور على البحر الأحمر. ولئن كان لهذا الخيار تعقيداته الجيوسياسية، فإن القيادة السودانية لم تقدم بديلا استراتيجيا يحقق المصالح الوطنية ويجنب البلاد العزلة ومصير الغنم القاصية.
غير أن الإخفاق الأكبر كان في عدم بناء تحالف استراتيجي مع تركيا؛ الدولة التي أثبتت أنها شريك موثوق لمن أحسن اختيارها. فقد جمعت بين القوة العسكرية، والتقدم الصناعي، والحضور الدبلوماسي، وقدمت نموذجا يقوم على بناء قدرات حلفائها وتعزيز استقلالهم، دون أن تفرض عليهم شروطا تنتقص من سيادتهم.
وقد شهدت ليبيا أثر هذا التحالف عندما أسهم الدعم التركي في حماية الحكومة الشرعية من أخطر تهديداتها، كما أثبتت أزمة حصار قطر أن أنقرة حليف لا يتخلى عن شركائه ساعة الشدة. أما الصومال، فقد تحول بفضل شراكته الاستراتيجية مع تركيا من دولة تتنازعها الأزمات إلى شريك فاعل، عبر قاعدة TURKSOM، وتدريب قواته المسلحة، وتعزيز أمنه البحري، وتقوية مؤسسات دولته.
وقد يقال إن تعميق الشراكة مع تركيا قد ينعكس سلبا على علاقات السودان مع مصر، غير أن التجربة الصومالية تدحض هذا التصور؛ فمقديشو تحتفظ بعلاقات استراتيجية وثيقة مع القاهرة، وفي الوقت نفسه تمضي في بناء تحالفها مع أنقرة، الذي تجاوز التعاون الاقتصادي إلى الوجود العسكري المباشر. وهذا يؤكد أن السياسة الرشيدة لا تقوم على الاختيار بين الحلفاء، وإنما على حسن إدارة المصالح، وبناء علاقات متوازنة تخدم القرار الوطني ولا ترهنه.
إن السودان لا يفتقر إلى عناصر القوة؛ فهو يملك موقعا استراتيجيا على البحر الأحمر، وثروات طبيعية هائلة، وإرثا دبلوماسيا يؤهله ليكون محورا للتوازنات الإقليمية. لكن القيادة السودانية أهدرت هذه المقومات، وظلت تتخبط بين المحاور، حتى تركت البلاد عرضة للتدخلات الخارجية، وفقدت القدرة على تحويل الجغرافيا إلى نفوذ، والموارد إلى قوة.
إن الحرب الوجودية التي يخوضها السودان اليوم لا تكفيها بيانات الإدانة ولا المساعدات الإنسانية، بل تحتاج إلى تحالف استراتيجي حقيقي يحمي السيادة ويؤمن المستقبل. أما استمرار الارتهان للحسابات الضيقة والولاءات المؤقتة، فلن يورث السودان إلا مزيدا من العزلة، بينما يمضي الآخرون في بناء تحالفاتهم، ويُكتب تاريخ المنطقة من غير أن يكون للسودان فيه ما يستحقه من مكان ومكانة.
