البعد_الاخر مصعب بريــر الطاقة الشمسية بالسودان الى أين؟ الحلقة الثانية: معضلة الشبكة القومية.. لماذا نخشى ضخ الشمس في أسلاك الدولة؟
البعد_الاخر
مصعب بريــر
الطاقة الشمسية بالسودان الى أين؟
الحلقة الثانية: معضلة الشبكة القومية.. لماذا نخشى ضخ الشمس في أسلاك الدولة؟
لو تأملت خريطة الإشعاع الشمسي في أفريقيا، لوجدت أن أرض السودان تقع في واحدة من أغنى المناطق بالسطوع الشمسي على كوكب الأرض طوال العام. ومع ذلك، نعيش مفارقة محزنة؛ فالآلاف من البيوت والمزارع والمصانع تمتلك وحدات طاقة شمسية خاصة، تعمل كجزر مستقلة تنتج الكهرباء نهارًا وتهدر الفائض، بينما تغرق الأحياء المجاورة في ظلمة كاملة نتيجة عجز الشبكة القومية. هذا الواقع يطرح سؤالًا استراتيجيًا غائبًا: لماذا تتأخر الدولة حتى الآن في ربط هذه المنظومات الأهلية بالشبكة القومية للكهرباء عبر نظام القياس الصافي؟
السبب الظاهر الذي تردده الجهات الفنية يتعلق بالحالة التهالكية للشبكة القومية وعدم قدرتها على استيعاب الأحمال المتذبذبة للطاقات المتجددة دون وجود محطات تعديل تردد وبنيات تحتية حديثة. لكن العمق الحقيقي للمشكلة يعود إلى جمود الرؤية الاستراتيجية وعقلية الاحتكار الحكومي لإدارة ملف الطاقة، حيث تُعامل الكهرباء حتى اللحظة كمرفق تجاري مملوك بالكامل للدولة وليست كخدمة تشاركية. إن تخوف السلطات من الكلفة المادية لتحديث العدادات وتعديل التشريعات جعلها تتجاهل أن الفائض الشمسي المهدور يومياً كان كفيلاً بسد جزء مقدر من العجز في ساعات النهار وتقليل استهلاك الوقود المستورد الباهظ.
تخبرنا التجربة الأردنية في هذا المجال بدرس عملي بالغ الأهمية؛ حيث أتاحت الدولة للمواطنين والمؤسسات توليد الكهرباء من أسطحهم وضخ الفائض في الشبكة العامة مقابل خصم قيمة الاستهلاك ليلاً. لم تكتفِ الأردن بتوفير ملايين الدولارات من فاتورة استيراد المشتقات النفطية، بل خلقت قطاعًا اقتصاديًا كاملاً وفر آلاف فرص العمل للشباب وحول المستهلكين إلى منتجين. السودان يملك المقومات ذاتها إذا وُجدت الإرادة للتحول من نموذج المحطات المركزية المكلفة إلى نموذج الطاقة الموزعة التي يسهم فيها المجتمع بأسطحه وأمواله.
بعد اخير:
خلاصة القول، إن التمسك بأساليب إدارية قديمة في ظل انهيار البنية التحتية الراهنة هو إهدار صريح لفرص التعافي الاقتصادي والخدمي. فالربط مع الشبكة القومية ليس رفاهية هندسية، بل هو الحل العملي الوحيد الذي يضمن استدامة التيار وتقليل الضغط على المحطات الحرارية والمائية المتهالكة. الاستمرار في إغلاق المنافذ أمام طاقة المواطنين التشاركية يعني أننا نختار البقاء في الظلام بينما يغمر الضوء كل شبر من أرضنا.
أخيرًا، الشبكة القومية المظلمة لن تصلحها القروض المفروضة ولا المحطات الغائبة. إنها تحتاج فقط إلى الشجاعة الفنية لتسمح لشمس السودان أن تسري في أسلاكها.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الخميس | 23 يوليو 2026م
musapbrear@gmail.com
