سجَّل التبادل التجاري نمواً لافتاً بين السودان ومصر،، زيادة الصادرات والواردات..تعافي اقتصادي.. المنتجات المصرية أنعشت الأسواق.. مصالح مشتركة.. “759” مليون دولار في ستة أشهر..تجاوز تحديات الحرب.. توريد مواد البناء والأسمدة والأثاثات..انخفاض طلب الغذاء والدقيق.. د. هيثم: التجارة الحالية لا تعكس الإمكانات الحقيقية للبلدين.. تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..
سجَّل التبادل التجاري نمواً لافتاً بين السودان ومصر،،
زيادة الصادرات والواردات..تعافي اقتصادي..
المنتجات المصرية أنعشت الأسواق.. مصالح مشتركة..
“759” مليون دولار في ستة أشهر..تجاوز تحديات الحرب..
توريد مواد البناء والأسمدة والأثاثات..انخفاض طلب الغذاء والدقيق..
د. هيثم: التجارة الحالية لا تعكس الإمكانات الحقيقية للبلدين..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..
ارتفع حجم التبادل التجاري بين السودان ومصر إلى “759” مليون دولار خلال النصف الأول من عام 2026م، مقارنة بـ570 مليون دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي، بزيادة بلغت 189 مليون دولار، في مؤشر يعكس تحسن النشاط الاقتصادي وعودة الحركة التجارية تدريجياً بين البلدين، وكشف تحليل أعده الخبير في العلاقات الاقتصادية بين مصر والسودان منجد إبراهيم يوسف، استناداً إلى بيانات الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات المصرية، أن هذا النمو جاء مدفوعاً بارتفاع الطلب على السلع الأساسية ومدخلات الإنتاج، إلى جانب استئناف النشاط الزراعي والتجاري في السودان، متوقعاً أن يصل حجم التبادل التجاري إلى نحو 1.5 مليار دولار بنهاية عام 2026 إذا استمرت مؤشرات التعافي الاقتصادي وتحسن الأوضاع الداخلية، وأظهر التحليل أن الصادرات المصرية كانت المحرك الرئيس لهذا النمو، بعدما ارتفعت من 429 مليون دولار إلى 595 مليون دولار، بزيادة تقارب 40%، فيما ارتفعت الصادرات السودانية إلى مصر من 141 مليون دولار إلى 164 مليون دولار، بما يؤكد استمرار نمو التجارة في الاتجاهين، وإن كانت بوتيرة أسرع لصالح الصادرات المصرية.

انتعاش الأسواق:
والواقع أن ارتفاع التبادل التجاري الذي عكس زيادة في قيمة الصادرات والواردات بين البلدين، كان بمثابة تغيير في طبيعة احتياجات السوق السودانية مع عودة النشاط الاقتصادي تدريجياً، إذ سجلت صادرات الكيماويات والأسمدة ارتفاعاً كبيراً من 38.7 مليون دولار إلى 88 مليون دولار، مدفوعة باستئناف النشاط الزراعي وزيادة الطلب على مدخلات الإنتاج، كما ارتفعت صادرات مواد البناء إلى 110 ملايين دولار، في انعكاس مباشر لاحتياجات إعادة الإعمار وتأهيل المنشآت، بينما شهدت صادرات الأثاث والسلع الهندسية والإلكترونية نمواً ملحوظاً مع عودة أعداد من المواطنين واستئناف النشاط السكني والتجاري، الأمر الذي رفع الطلب على تجهيز المنازل والمرافق.
تعافي الإنتاج المحلي:
وفي المقابل، أظهر التحليل أن انخفاض واردات بعض السلع لم يكن نتيجة تراجع الطلب، وإنما جاء انعكاساً لتحسن الإنتاج المحلي، حيث تراجعت واردات الصناعات الغذائية والدقيق مع تعافي قطاع المطاحن السوداني وزيادة الإنتاج الزراعي، إضافة إلى تطبيق سياسات هدفت إلى تنظيم استيراد عدد من السلع، كما سجلت الحاصلات الزراعية المستوردة انخفاضاً طفيفاً، في مؤشر على استعادة القطاع الزراعي جزءاً من قدراته الإنتاجية.

مؤشرات إيجابية:
وعلى الجانب السوداني، ارتفعت صادرات الإبل، إلى جانب السمسم والقطن وحب البطيخ والشمام، مستفيدة من تحسن الموسم الزراعي، بينما تراجعت صادرات الذهب نتيجة انخفاض الكميات المصدرة، كما انخفضت صادرات الأبقار الحية بسبب تراجع أعداد الماشية الموجهة إلى السوق المصرية، وسجلت حركة التجارة كذلك زيادة في حجم البضائع المصدرة من مصر إلى السودان، لترتفع من 1.2 مليون طن إلى 1.4 مليون طن، بما يؤكد أن النمو شمل الكميات المتبادلة، وليس القيمة المالية فقط.
تأثيرات الحرب:
ويرى الأكاديمي والباحث والمحلل الاقتصادي دكتور هيثم فتحي أن الحرب ألقت بظلالها بصورة مباشرة على حركة الصادرات السودانية إلى مصر، موضحاً أن السوق المصرية ظلت مفتوحة أمام المنتجات السودانية دون معوقات، إلا أن استمرار تأثر القطاعات الإنتاجية الكبرى بالحرب انعكس بوضوح على حجم الصادرات، وقال دكتور هيثم في إفادته للكرامة إن صادرات الأبقار والجمال تراجعت بصورة ملحوظة، كما تعرض القطاع الزراعي لتأثيرات كبيرة، الأمر الذي أدى إلى انخفاض إجمالي الصادرات السودانية إلى مصر إلى نحو نصف مستوياتها السابقة، رغم استمرار الطلب المصري على المنتجات السودانية، مبيناً أن تنامي حجم التجارة الرسمية بين البلدين يستدعي تعزيز التعاون المصرفي عبر وجود بنوك تعمل في السودان ومصر، بما يسهم في ربط حركة التجارة بالنظام المصرفي الرسمي، ويضمن خضوعها للرقابة، ويحد من انتقال جزء منها إلى الاقتصاد الموازي، ونوه دكتور هيثم فتحي إلى أن حجم التجارة الحالي لا يزال أقل بكثير من الإمكانات المتاحة، موضحاً أن إجمالي التجارة الخارجية لمصر يبلغ نحو 150 مليار دولار سنوياً، مقابل نحو 10 مليارات دولار للسودان، وهو ما يجعل التجارة البينية الحالية متواضعة قياساً بحجم اقتصاد البلدين، وأكد أن الوصول بحجم التبادل التجاري إلى أكثر من 8 مليارات دولار سنوياً ليس هدفاً بعيد المنال، وإنما يمثل هدفاً واقعياً وقابلاً للتحقيق إذا تكاملت الجهود، وتعافى الإنتاج السوداني، وتوفرت التسهيلات اللازمة لحركة التجارة والاستثمار بين البلدين.

خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. تؤكد مؤشرات النصف الأول من العام الجاري 2026م، أن العلاقات الاقتصادية بين السودان ومصر تمضي نحو مرحلة أكثر نشاطاً، مدفوعة بعودة عجلة الإنتاج تدريجياً، واتساع حركة الأسواق، وارتفاع الطلب على السلع ومدخلات الإنتاج، ومع استمرار تعافي الاقتصاد السوداني، وتطوير البنية المصرفية واللوجستية، وتوسيع الاستثمارات المشتركة، تبدو الفرصة سانحة أمام الخرطوم والقاهرة للانتقال من نموٍ في التبادل التجاري إلى تكامل اقتصادي حقيقي، يجعل الأرقام الحالية مجرد محطة على طريق شراكة قادرة على مضاعفة حجم التجارة وتحقيق المصالح المشتركة.
