المشروع الوطني الجامع في السودان … الفرص الضائعة بين صراعات الداخل وتدخلات الخارج ✍️السفير / رشاد فراج الطيب
المشروع الوطني الجامع في السودان …
الفرص الضائعة بين صراعات
الداخل وتدخلات الخارج
✍️السفير / رشاد فراج الطيب

كثيراً ما ينتهي الحديث عن أزمات السودان من قبل الباحثين والحادبين علي استقراره ومستقبله ، ومهما اختلفت زوايا النظر إليها ، إلى العبارة ذاتها : ” الحل يكمن في مشروع وطني جامع ” .غير أن هذه العبارة ، على وجاهتها ، كثيراً ما تظل شعاراً عاماً لا يجيب عن السؤال الأهم : ما هو المشروع الوطني الجامع ؟ وما هي عناصره ؟ ولماذا أخفقت كل المحاولات التي سعت إلى تأسيسه منذ الاستقلال وحتى اليوم ؟في تقديرنا ، فإن المشروع الوطني الجامع ليس وثيقة سياسية عابرة ، ولا برنامج حكومة مؤقتة ، ولا تحالفاً انتخابياً بين القوى السياسية ، وإنما هو عقد اجتماعي جديد تتوافق عليه غالبية مكونات المجتمع ، ويحدد بصورة نهائية هوية الدولة ، وطبيعة نظام الحكم ، وعلاقة الدين بالدولة ، وآليات التداول السلمي للسلطة ، وعدالة توزيع الثروة والسلطة ، وإدارة التنوع الثقافي والإثني ، واستقلال المؤسسات ، وسيادة حكم القانون ، بحيث تصبح هذه المبادئ فوق الصراع الحزبي وتقلبات الحكومات .إن الدولة التي تفتقد مثل هذا المشروع تبقى دولة معلقة بين رؤى متصارعة ، تنتقل من أزمة إلى أخرى، وتظل ساحتها مفتوحة للتدخلات الخارجية التي تجد دائماً في الانقسامات الداخلية البيئة المثالية لتحقيق مصالحها .وبالعودة إلى تاريخ السودان الحديث ، يمكن القول إن أكثر المحاولات جدية للاقتراب من صياغة مشروع وطني جامع برزت خلال فترة حكم الإنقاذ ، رغم ما شابها من تعقيدات وإخفاقات .فقد قامت الرؤية الفكرية للدكتور حسن الترابي على أن يكون الوصول للسلطة عبر التدخل العسكري مرحلة انتقالية قصيرة ، يعقبها الرجوع إلى الشرعية الانتخابية ، وإقامة نظام دستوري يقوم على الفصل بين السلطات ، والتداول السلمي للحكم ، وأن يصل الإسلاميون إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع لا عبر استمرار الحكم الاستثنائي .غير أن هذه الرؤية واجهت أول اختبار حقيقي بعد مرور نحو عشر سنوات من قيام نظام الانقاذ في ١٩٨٩م ، عندما برز الخلاف حول العودة إلى انتخاب ولاة الولايات واستكمال التحول الديمقراطي .وانتهى ذلك الخلاف بالمفاصلة الشهيرة بين المنشية (د.الترابي) والقصر (البشير) ، التي لم تكن مجرد خلاف شخصي بين القيادات ، وإنما كانت تعبيراً عن اختلاف في تقدير مستقبل النظام نفسه ، بين من رأى ضرورة العودة إلى الشرعية الشعبية الكاملة حسب رؤية د. الترابي ، ومن فضّل استمرار الصبغة العسكرية ومركزية القرار حفاظاً على استقرار واستمرار الحكم .ثم جاءت فرصة ثانية أكثر اتساعاً مع مفاوضات السلام بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق في منتجع نيفاشا في كينيا .فقد انتهت تلك المفاوضات التي استمرت لعامين وناقشت كل قضايا السودان إلى اتفاق السلام الشامل ، الذي تُوّج وضمنت بنوده الجوهرية في دستور عام 2005م والذي شاركت في صياغته واقراره أغلب القوي والأحزاب السياسية الموالية والمعارضة ، والذي تضمن مبادئ مهمة ، أبرزها أن المواطنة المتساوية هي أساس الحقوق والواجبات ، وتقاسم السلطة والثروة ، والاعتراف بالتنوع ،
وعلاقة الدين بالدولة وشكل نظام الحكم ، ومنح جنوب السودان حق تقرير المصير بعد فترة انتقالية محددة ، على أمل أن تصبح الوحدة خياراً جاذباً .وكانت تلك الاتفاقية تمثل من حيث المبدأ ، محاولة لإعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس جديدة تستوعب الجميع ،
وقد أُجريت الانتخابات بالفعل علي أساس ذلك الدستور وبرقابة اقليمية ودولية ، وخاضت الحركة الشعبية تجربة الانتخابات الرئاسية في إطار الدولة الواحدة ولم تتمكن من الفوز بها .لكن مسار الاتفاق تعرض لتعقيدات داخلية وضغوط خارجية متشابكة ،
فداخلياً لم تُستكمل متطلبات جعل الوحدة خياراً جاذباً كما رأي قادة الحركة الشعبية أو هكذا تعللوا للتنصل من الالتزام بالاتفاقية والمضي في طريق الوحدة بعد ان خسروا رهان الفوز بالانتخابات ، بينما وجدت قوى إقليمية ودولية في خيار الانفصال مصلحة تتوافق مع حساباتها السياسية والاستراتيجية فشجعوا الحركة علي تبني خيار الانفصال .
وفي هذا السياق يرى كثير من المحللين أن تلك التدخلات ، إلى جانب بعض الإخفاقات الداخلية ، أسهمت في ترجيح خيار الانفصال ، لتنتهي بذلك إحدى أهم الفرص التاريخية لبناء مشروع وطني جامع يشمل السودان الموحد .
ولم تكن تلك آخر الفرص ،
فقد جاءت مبادرة الحوار الوطني الشامل التي دعت إليها الحكومة ، وشاركت فيها أعداد كبيرة من الأحزاب والقوى السياسية ، بما في ذلك بعض الحركات المسلحة ، بعد نقاشات امتدت لفترة طويلة وشملت معظم القضايا الجوهرية المتعلقة بالحكم والدستور والهوية والاقتصاد والسلام والحريات .وأنتج الحوار ماسمي بالوثيقة الوطنية في ١٠ اكتوبر ٢٠١٦م ، اعتبرها كثيرون أرضية مناسبة للتوافق الوطني ، إذ تضمنت قدراً كبيراً من نقاط التوافق والقواسم المشتركة التي كان يمكن البناء عليها لتأسيس عقد اجتماعي جديد .غير أن الأزمة لم تكن في الوثيقة نفسها ، وإنما في ضعف الإرادة السياسية لتنفيذ مخرجاتها تنفيذاً كاملاً وأميناً ،
فقد ظلت كثير من التوصيات حبراً على ورق ، فضاعت فرصة أخرى كان يمكن أن تنقل السودان إلى مرحلة مختلفة من الاستقرار والتوافق والانتقال السياسي والديمقراطي .ثم جاءت فرصة أخيرة عندما أعلن عن نية الرئيس عمر البشير استعداده للتخلي عن رئاسة الحزب الحاكم ، وعدم الترشح لولاية جديدة في انتخابات العام ٢٠١٥م ، والدعوة إلى انتخابات حرة تفتح الباب أمام انتقال سياسي منظم ،
إلا أن هذه الخطوة لم تكتمل ، نتيجة ضغوط داخلية من بعض القيادات النافذة في الحزب الحاكم والحلفاء الذين رأوا في استمرار الوضع القائم ضمانة لاستقرار واستمرار نظام الحكم ، فتراجع المشروع قبل أن يرى النور .وبعد ذلك دخل السودان مرحلة جديدة انتهت بإسقاط نظام الإنقاذ في ابريل ٢٠١٩م ، وتكوين سلطة انتقالية بشقيها المدني والعسكري ، كان مأمولاً أن تقود البلاد نحو التحول الديمقراطي بعد فترة انتقالية محددة ،
غير أن الصراع والخلاف بين المدنيين والعسكريين ، وضعف الثقة بين الشركاء ، وتعدد مراكز القرار ، والخلاف حول الاتفاق الاطاري ، أدى إلى انهيار الشراكة ، ثم إلى محاولة انقلابية وتمرد سرعان ما اتسع واستحال الي عدوان مدعوم من الخارج بالسلاح والمرتزقة ، ليتحول إلى حرب مدمرة ذات أبعاد إقليمية ، ألحقت بالبلاد خسائر إنسانية ومادية جسيمة وفادحة ، واستهدفت مؤسسات ووجود الدولة نفسها ، والنسيج الاجتماعي والديمغرافي .وهكذا يتضح أن تعثر المشروع الوطني الجامع لم يكن نتيجة سبب واحد ، بل كان حصيلة تفاعل معقد بين عوامل داخلية وخارجية .ففي الداخل ، حالت الصراعات الحزبية والسياسية ، وضعف الثقة ، والرغبة في الاحتفاظ بالسلطة ، وغياب ثقافة التنازل المتبادل ، دون الوصول إلى توافق مستدام .اما التدخلات الخارجية الطامعة ، فقد لعبت المصالح الإقليمية والدولية دوراً مؤثراً في توجيه مسارات الأحداث وقطع الطريق دون استقرار البلاد واتفاق السودانيين علي برنامج جامع كلما اقترب السودانيون من بناء تسوية وطنية مستقرة ، إذ كثيراً ما تتقاطع حسابات القوى الخارجية مع مصالحها الأمنية والسياسية والاقتصادية ، وليس بالضرورة مع أولويات الاستقرار الوطني في السودان .إن القراءة المنصفة للتاريخ تقتضي الاعتراف بأن المسؤولية مشتركة بين النخب الوطنية والسياسية ، وأن تعليق الإخفاق كله على الداخل وحده أو على الخارج وحده لا يقدم تفسيراً كاملاً .فالخارج لا يستطيع التأثير إلا عندما يجد في الداخل انقساماً وصراعا سياسياً يسمح بذلك ، كما أن الداخل يصبح أكثر قدرة على حماية استقلال قراره كلما نجح في بناء مؤسسات قوية ورؤية وطنية متفق عليها .ومن هنا فإن المشروع الوطني الجامع الذي يحتاجه السودان اليوم لا ينبغي أن يكون مشروعا لحزب ، ولا حكومة ، ولا نخبة ، بل مشروع أمة بأكملها ، يشارك في صياغته الجميع دون إقصاء ، ويقوم على المواطنة المتساوية ، وسيادة حكم القانون ، والتداول السلمي للسلطة ، واللامركزية الرشيدة ، والعدالة الانتقالية ، والتنمية المتوازنة ، واحترام التنوع ، وبناء جيش وطني مهني واحد يحتكر استخدام القوة وفق الدستور ، مع تحييد مؤسسات الدولة عن الصراع الحزبي .لقد دفع السودان أثماناً باهظة بسبب ضياع الفرص المتكررة ، وربما تكون الحرب الحالية ، بكل مآسيها ، آخر الإنذارات التاريخية التي تؤكد أن بقاء الدولة نفسها أصبح مرهوناً بقدرة السودانيين على تجاوز صراعات الماضي ، والانتقال من التنافس على السلطة إلى التنافس في بناء الوطن وتقديم المصلحة العليا .فالأوطان لا يحميها الخارج ، ولا تؤسسها الشعارات ، وإنما يحميها توافق أبنائها على مشروع وطني يجعل الدولة أكبر من الأشخاص والأحزاب والانتماءات الجهوية والقبيلية ، والوطن أوسع من المصالح ، والمستقبل أسمى من حسابات السلطة .واليوم تلوح فرصة سانحة وذهبية أمام قائد البلاد الفريق البرهان أن يطرح شخصيا وثيقة للتعافي والاجتماع الوطني ويدعو للتوقيع عليها جميع القوي والأحزاب والمكونات السياسية والاجتماعية والأهلية
والتي التفت حول الجيش وقيادته ، وهو يحرر الأرض ويستعيد وجود الدولة وسيادتها وهويتها .وثيقة تبني علي ماسبق من جهود ومحاولات وطنية وتكون بمثابة عقد جديد لتأسيس جمهورية جديدة يجد فيها كل مواطن نفسه ،
وذلك هو الطريق الأفضل من انتظار مبادرات وتدخلات الخارج والسبيل الأقرب والأمثل لبناء سودان آمن ، ومستقر ، وديمقراطي ، يمتلك قراره الوطني ، ويستعيد مكانته بين الأمم
