الكهرباء لا تعود بمجرد تصليح عطل .. تعود حين يعود من يعرف كيف يصلحها ويجد بيئة تحميه لا تطرده علاء ابو محمود
الكهرباء لا تعود بمجرد تصليح عطل .. تعود حين يعود من يعرف كيف يصلحها ويجد بيئة تحميه لا تطرده
علاء ابو محمود
النشاط المهني الهدام هل ينسحب علي ملف كهرباء سد مروي؟ ام ان تداعيات الحرب والاستهداف المباشر مع مجزرة لجنة التمكين
التي شردت كل الكفاءات؟ ام ان الامر مجرد اعطال عارضة؟.
#حين ينقطع التيار في أربعة ولايات ثم يخرج بيان يتحدث عن “عطل فني” في سد مروي، يقفز الي الأذهان سؤال:
هل هذا إهمال؟ أم استهداف؟ أم أن شبهة النشاط المهني الهدام حلقت فوق السد؟
#عطل فني”
جملة استخدمتها الدولة لسنوات لوصف أي إطفاء شامل دون الإفصاح عن هل هناك أي أيادي تعبث عمدا بمرفق حيوي مثل السد وقطاع الكهرباء عامة؟ فلم تعد جملة “عطل فني” تكفي لتفسير ما يحدث في شريان الكهرباء الأكبر في السودان.
فهل من رواية اخري؟
أما من الدولة فلا وإما مني فهاكم ثلاث روايات عسانا نصل للحقيقة.
#الأولى:
تؤسس علي تعمد التخريب.
هناك من يتعمد تعطيل الشبكة. فسد مروي ليس مجرد توربينات ومحولات، هو ورقة ضغط. من يسيطر على الكهرباء يسيطر على المدن، على المستشفيات، على الماء، على المزاج العام. وفي ظل حرب مفتوحة، من الطبيعي أن يصبح كل مرفق استراتيجي هدفا. الاستهداف المباشر بالمسيرات والصواريخ الذي طال محطات النقل والتوليد خلال العامين الماضيين يعطي هذه الرواية بعدها.
#الثانية:
مجزرة قبل الحرب لجنة التمكين داخل القطاع بأكمله عندما ألغت ملفات اكفأ وعمدت الي الفصل الجماعي الذي طال مهندسين وفنيين وخبراء تشغيل قضوا عمرهم في مروي والروصيرص وسنار. فذهبوا بخبراتهم إلى الخارج، أو تفرغوا لاعمالهم الخاصة في الداخل. من تبقى منهم يحمل عبء ورديات مضاعفة، بلا قطع غيار، بلا تدريب، بلا ميزانية صيانة دورية. فهل نستغرب حين يتعطل محول، أو يحترق خط ناقل؟ الحرب لا تحتاج لسلاح دائما، يكفي أن تفرغ المؤسسة من عقلها. وكم من عقول هاجرت وكم منها اعتزل فتنة وجدي صالح.
#الثالثة:
الأعطال العارضة.
وهي الرواية الأضعف تماسكا في عقل المواطن، والأكثر واقعية عند مهندسي السد. الشبكة القومية عمرها عقود. الأحمال تضاعفت، والصيانة الوقائية توقفت، والتمويل انقطع، والمحطات الحرارية أهملت. في ظروف كهذه، “العطل العارض” لا يكون عارضا، بل يكون هو القاعدة.
#فأين الحقيقة من بين هذه الروايات؟
الحقيقة كامنة في الثلاثة روايات مجتمعة.
الحرب فتحت الباب. التفريغ الممنهج للكفاءات كسر العمود الفقري.
والإهمال المتراكم أكمل الملف. لم يعد بالإمكان أن نعلق كل انقطاع على “يد خفية”، كما لم يعد بالإمكان أن نسميه “سوء حظ”.
#سد مروي كان مشروع هيبة. واليوم هو مرآة. حين نراه يتعثر، نرى انعكاس دولة استنزفت في حربها وفي كوادرها، واستنزفت في صراع إعادة ثقة الناس بمؤسساتها.
“النشاط المهني الهدام” إن وجد، فهو لن يكون فقط بفعل فاعل يقطع كابل. قد يكون أيضاً قراراً إدارياً بفصل مائة مهندس في يوم واحد. وقد يكون صمتاً عن صيانة تأجلت ثلاث سنوات. وقد يكون خطاباً رسمياً يصر على أن كل شيء “تحت السيطرة” بينما المدينة تغرق في الظلام.
#السؤال الذي يجب أن يطرحه المقال ليس من
هو المذنب فقط، بل: من الذي سيدفع ثمن إعادة بناء الثقة والكفاءة معاً؟ فالكهرباء لا تعود بمجرد تصليح عطل. تعود حين يعود من يعرف كيف يصلحها، ويجد بيئة تحميه لا تطرده.
