منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

أمواج ناعمة اتفاقات عسكرية وجوكية د. ياسر محجوب الحسين

0

أمواج ناعمة

اتفاقات عسكرية وجوكية

د. ياسر محجوب الحسين

في لحظة رمزية اختيرت بعناية في مكة المكرمة، وقّعت السعودية وتركيا وباكستان، الجمعة 7 أغسطس 2026، «اتفاقية مكة للدفاع المشترك». لم يكن التوقيع مجرد إجراء بروتوكولي بين ثلاثة زعماء، بل إعلانا يحمل في طياته رسالة سياسية واضحة: أن هذه الدول الثلاث، المرتبطة بروابط تاريخية وأخوة إسلامية ومصالح استراتيجية متداخلة، قررت أن تجعل أي هجوم مسلح على إحداها هجوما عليها جميعا، وأن تحول التعاون الدفاعي من علاقات ثنائية متفرقة إلى إطار جماعي أكثر تماسكا.
المسؤولون يسارعون إلى طمأنة الجميع. من الجانب التركي يُقال إن الاتفاقية دفاعية بحتة، لا تستهدف أحدا بعينه، ومفتوحة أمام دول أخرى، ولا تلغي ما سبقها من ترتيبات. ومن الجانب السعودي يُشدد على أنها ليست مشروعا لمحور طائفي، بل إطارا للأمن الجماعي يخدم استقرار المنطقة في مرحلة يعاد فيها ترتيب أولويات أمن الممرات البحرية وخطوط التجارة الحيوية. لكن هذه التوضيحات، على أهميتها، لا تخفي حقيقة أن الاتفاقية تأتي في سياق إقليمي أعمق: انتقال تدريجي من إدارة الأزمات المنفردة إلى صيغة تعتمد على توزيع الأدوار والعمل المشترك.
فالسعودية تمتلك اليوم ثقلا سياسيا واقتصاديا وأمنيا يجعلها مركزا في الخليج، وتركيا تجمع بين الموقع الجغرافي والقدرة العسكرية والتكنولوجية، بينما تقدم باكستان قدرات دفاعية وموقعا استراتيجيا لا يمكن تجاهله. هذا التكامل يرسم، نظريا، معادلة ردع جديدة. غير أن المعادلة الحقيقية لا تُختبر في لحظة التوقيع، بل في القدرة على تحويل الإعلان السياسي إلى آليات عملية وثقة متبادلة مستدامة. وهنا يكمن السؤال الذي سيظل معلقا: هل ستنجح هذه الاتفاقية في بناء قواعد عمل مشتركة، أم تبقى مجرد وثيقة أنيقة في أرشيف الدبلوماسية؟
غير أن قراءة أخرى أكثر حدة تبرز في بعض التحليلات النقدية. فبعض اتفاقيات الدفاع المشترك لا تحتاج إلى فك شفرة معقدة: العنوان عسكري، والمضمون أقرب إلى كشوف حسابات. الأطراف الكبرى تتقن فن التوقيع أكثر مما تتقن فن القتال الفعلي، بينما يسيل دم الفقراء تحت بند «المشترك». في تجربة حرب اليمن مارست مليشيا الدعم السريع الجوكية بأبشع صورها، إذ حوّلت مقاتلين سودانيين ومن عرب الشتات إلى بضاعةٍ مزجاة، وزجّت بهم وقودًا في حروب الوكالة، بينما بقيت جيوش الدول الموقعة على الاتفاقات العسكرية بمنأى عن خطوط النار، تدير مصالحها بأقل كلفة بشرية ممكنة. في هذا المنظور، قد تبدو الاتفاقية وسيلة أنيقة لاستجلاب دعم مالي، إذ ليس من المؤكد أن تركيا أو باكستان مستعدتان للتضحية بجندي واحد من أجل المملكة، تاركتين مهمة الحراسة والموت لمن وُلدوا ليكونوا وقود حروب الآخرين.
تظل المرحلة المقبلة هي المحك الحقيقي. هل ستتحول الاتفاقية إلى إطار تعاون مؤسسي يرفع الجاهزية ويوزع الأدوار بعدالة، أم تبقى إعلانا رمزيا يخدم حسابات آنية؟ المنطقة تبحث عن صيغ جديدة للاستقرار، لكن النجاح لا يُقاس بالبيانات، بل بقدرة هذه الترتيبات على بناء ثقة حقيقية تحول المصالح المشتركة إلى قواعد عمل ملموسة، بعيدا عن استخدام دماء الفقراء كبند وحيد يُنفَّذ بلا تأخير.

تذكرة: تظل تركيا فرس الرهان، وقد دعونا إلى توقيع اتفاقية دفاع مشترك معها، لا سيما في أعقاب أبريل 2023، انطلاقًا من أهمية تعزيز الشراكة الاستراتيجية ومواجهة التحديات الأمنية المشتركة.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.