على بلاطة عبير دفع الله عزالدين ✍️ تكتب: شرطة السياحة ..حراس الحكاية السودانية
على بلاطة
عبير دفع الله عزالدين ✍️ تكتب:
شرطة السياحة ..حراس الحكاية السودانية

السياحة في السودان ليست مجرد رحلة الى مكان جميل ، ولا زيارة لموقع أثري،بل هي نافذة يتعرف من خلالها الناس على تاريخ البلاد وثقافتها وتراثها.فالسودان بلد غني بالمواقع الاثرية والطبيعية والتراثية .
ومن هنا تأتي شرطة السياحة والتراث القومي كواحدة من الادارات الشرطية ذات الطبيعة الخاصة، لانها لا تحرس مكانا فحسب، ولا تؤدي مهمة امنية عابرة، وانما تحرس ذاكرة امة، وتضطلع بحماية المنشآت والمناطق السياحية والسياح ومنع الجرائم السياحية.
وتتسع مهام شرطة السياحة والتراث القومي باتساع خارطة السودان السياحية والاثرية. فهي معنية بتأمين المواقع الاثرية والمتاحف والمنشآت السياحية، وحماية السياح والزوار، ومنع الاعتداء على الممتلكات الثقافية، ومكافحة تهريب الاثار والاتجار غير المشروع بها، ورصد المخالفات والجرائم ذات الصلة، والتنسيق مع الجهات المختصة في مجالات الاثار والسياحة والجمارك والمباحث والنيابة وغيرها من الجهات ذات الصلة.
إن الشرطي السياحي هو رجل امن، ودليل، وسفير في الوقت نفسه. يحتاج الى معرفة واسعة، وحضور مهني، وقدرة على التواصل مع مختلف الجنسيات والثقافات، ومعرفة بالموقع الذي يحرسه وتاريخه وقيمته، حتى لا تكون مهمته مجرد الوقوف عند البوابة، بل صناعة بيئة امنة ومطمئنة للسائح والزائر.
إن التحول الرقمي وصناعة قاعدة بيانات وطنية للمواقع الاثرية والسياحية،أضحى جزءا من منظومة الحماية الحديثة،
مع ضرورة بناء شرطي سياحي متخصص. شرطي يتلقى تدريبا مختلفا عن التدريب التقليدي، فيدرس مبادئ السياحة والاثار والتراث، ويتعرف على تاريخ السودان وحضاراته، ويتعلم اللغات الاجنبية ومهارات التعامل مع السياح، والاسعافات الاولية، وادارة الازمات، والتعامل مع المواقع الاثرية، وطرق حماية القطع والمقتنيات، وكيفية اكتشاف محاولات التهريب والاتجار غير المشروع.مع الاخذ في الاعتبار التطور التقني الحديث خاصة تقنية الذكاء الاصطناعي في عملية التدريب.
كما ان التطوير الحقيقي يحتاج الى شراكة واسعة مع وزارة الثقافة والجهات المعنية بالاثار والسياحة والحياة البرية والجامعات والباحثين والمرشدين السياحيين والمجتمعات المحلية، لان حماية التراث مسؤولية جماعية. فالمواطن القريب من الموقع الاثري يمكن ان يكون اول حارس له، واول من يلاحظ اي حركة غريبة او محاولة اعتداء.
ولهذا فان التوعية المجتمعية يجب ان تصبح جزءا اصيلا من عمل شرطة السياحة. ان يعرف المواطن ان قطعة الفخار التي يراها في الارض ليست حجرا عاديا، وان النقش القديم ليس مجرد رسم، وان المكان الذي يحيط به ربما يحمل قصة اجيال كاملة.
كما يمكن لشرطة السياحة ان تطور حضورا اعلاميامتخصصا، يقدم رسائل قصيرة عن المواقع الاثرية والسياحية، ويعرف المواطنين بالاجراءات القانونية المتعلقة بالعثور على الاثار وحيازتها والاتجار بها، ويشجع على الابلاغ عن اي نشاط مشبوه، ويقدم صورة مختلفة عن الشرطة بوصفها مؤسسة تحمي الانسان والمكان والتاريخ معا.
ولذلك فان تطوير شرطة السياحة هو تطوير لصناعة السياحة نفسها.واذا كانت السياحة يمكن ان ترفد الاقتصاد الوطني، فان حماية السياحة تعني حماية مورد يمكن ان يفتح ابوابا واسعة للعمل والاستثمار والتنمية المحلية.
فشرطة السياحة والتراث القومي ليست حارسا على ابواب الماضي فحسب، بل يمكن ان تكون جسرا آمنا يعبر عليه السودان من ذاكرته العظيمة نحو مستقبل يعرف كيف يحمي تاريخه،ويستثمره، ويقدمه للعالم بالصورة التي تليق بوطن كتب على ضفاف النيل واحدة من اقدم صفحات الحضارة الانسانية.
وهنا بالضبط تكمن قيمة شرطة السياحة والتراث القومي… انهم حراس المكان، ورفاق السائح، وامناء الذاكرة، وحماة الحكاية السودانية حتى لا تضيع بين غبار الزمن
