منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

هيبة المؤسسة تبدأ من عدالة القرار ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

0

هيبة المؤسسة تبدأ من عدالة القرار
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

قرأت مقال الأخ صبري محمد علي “العيكورة” حول قضية الضباط الـ116، وما أورده عن تطورات تنفيذ الأحكام وصرف المستحقات، فوجدت أن القضية تستحق أن تقرأ بأبعد من حدود الانتصار في دعوى أو نجاح محامين في الدفاع عن موكليهم.
إنها في تقديري فرصة للتأمل في فلسفة إدارة النزاع القانوني داخل المؤسسة الشرطية نفسها.
فالشرطة السودانية ليست مجرد جهاز من أجهزة الدولة؛ إنها مؤسسة وطنية عريقة، صنعت تاريخا طويلا من الانضباط والخدمة والتضحية، ولذلك فإن المحافظة على هيبتها لا تكون فقط بحماية قراراتها، وإنما كذلك بقدرتها على مراجعتها متى اقتضى القانون ذلك.
ومن هنا تبرز المكانة الحقيقية للإدارة القانونية بوزارة الداخلية.
فالإدارة القانونية في المؤسسة الحديثة ليست مكتبا للدفاع عن كل قرار لمجرد صدوره، وإنما هي عقل قانوني واستراتيجي مهمته حماية المؤسسة قبل حماية القرار، وقراءة المخاطر قبل أن تتحول إلى قضايا، وتحديد اللحظة التي يكون فيها الدفاع واجبا، واللحظة التي تصبح فيها التسوية أكثر حكمة وعدالة ومصلحة للمؤسسة.
وهنا ينبغي أن نفرق بين أمرين:
القرار الإداري قابل للمراجعة، أما هيبة المؤسسة فيجب أن تبقى فوق القرار.
فإذا أثبت القضاء أن قرارا ما يحتاج إلى التصحيح، فإن مراجعة ذلك القرار لا تنتقص من الشرطة، بل تؤكد قوتها وثقتها في مؤسسات الدولة وعدالتها.
ولهذا أرى أن المرحلة تستدعي الانتقال من معالجة كل قضية منفردة إلى رؤية شاملة لملفات الضباط المتشابهة قانونيا.
فلماذا يذهب كل ضابط إلى المحكمة منفردا إذا كانت المراكز القانونية متشابهة، والمبادئ القضائية قد أصبحت معلومة؟
الأجدى أن تبادر وزارة الداخلية، عبر إدارتها القانونية وقيادتها المختصة، إلى مراجعة هذه الملفات وتصنيفها، وتحديد ما استقر فيه الحق، ثم إغلاق ما يمكن إغلاقه عبر تسويات قانونية عادلة ومنضبطة داخل الوزارة.
هذه التسويات لا تمثل تنازلا عن هيبة الدولة، بل هي إحدى أدوات الإدارة الرشيدة.
فهي توفر وقت المؤسسة، وتحد من تكلفة التقاضي، وتحفظ المال العام، وتمنع تراكم الخصومات، والأهم أنها تعيد بناء الثقة بين المؤسسة وأبنائها.
ولا ينبغي أن نغفل أن ما يجري اليوم لا يقرأ في السودان وحده. فقرارات مؤسسات الدولة وطريقة تعاملها مع أحكام القضاء أصبحت محل متابعة السودانيين في الداخل والخارج، والقانونيين والمهتمين بالشأن السوداني.
وكلما قدمت الشرطة نموذجا في احترام القضاء والمبادرة إلى تصحيح ما يستوجب التصحيح، ارتفعت مكانتها ولم تنتقص.
فالضابط الذي يطالب بحقه القانوني ليس عدوا للمؤسسة، والمؤسسة التي تنصف أحد أبنائها لا تهزم نفسها.
وهذه في تقديري هي النقطة الأعمق في القضية كلها.
إن المطلوب ليس البحث عن منتصر ومهزوم، وإنما الوصول إلى مؤسسة تنتصر لنفسها بالقانون.
ولذلك فإن رسالتي إلى الإدارة القانونية بوزارة الداخلية رسالة تقدير ومسؤولية: اجعلوا من هذه الملفات فرصة لمراجعة المنهج، لا مجرد قضايا تنتظر جلساتها. ادرسوا المراكز القانونية المتشابهة، ونفذوا الأحكام المستقرة، وافتحوا باب التسويات القانونية العادلة، ثم ضعوا من الضوابط ما يمنع تكرار النزاعات مستقبلا.
فأعظم نجاح قانوني ليس أن تكسب المؤسسة كل قضية، وإنما أن تمتلك من الحكمة ما يجعل بعض القضايا لا تصل إلى المحكمة أصلا.
نريد أن ننتقل من الدفاع عن القرار إلى حماية المؤسسة، ومن إدارة الخصومة إلى إدارة العدالة، ومن تراكم الملفات إلى إغلاقها بالقانون والإنصاف.
وعندها لن ينتصر ضابط على وزارة، ولن تنتصر وزارة على ضابط.
بل ستنتصر الشرطة السودانية.
وسينتصر القانون.
وستنتصر هيبة الدولة.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.