البيت الذي لا يضيق بأبنائه.. حين يكون القانون باب العودة
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

بعد مقالي السابق «هيبة المؤسسة تبدأ من عدالة القرار»، قرأت بعناية كل المداخلات التي وردت حوله، واستمعت في الخاص إلى تسجيلات صوتية لعدد من السادة الضباط الذين أبعدتهم قرارات الخدمة عن مؤسستهم.
وخرجت من كل ذلك بيقين لم يعد عندي مجرد انطباع:
لقد استطاع القرار أن يبعد هؤلاء الرجال عن مواقعهم، لكنه لم يستطع أن يبعد الشرطة عن وجدانهم.
في أصواتهم لم أسمع لغة خصومة، وإنما عتاب أبناء. لم أجد رغبة في الانتقام، وإنما حنينا إلى بيت عرفوه في شبابهم، وارتدوا زيه، وحملوا اسمه وشعاره، وأعطوه من العمر ما لا يمكن استرداده.
والأكثر تأثيرا أنني لمست لدى السادة الضباط جميعا تقريبا عدم رغبة حقيقية في أن تتحول قضيتهم مع وزارتهم إلى خصومة أمام المحاكم.
فهم لا يريدون أن يقفوا في قاعة القضاء في مواجهة المؤسسة التي انتسبوا إليها، ولا أن يكون آخر مشهد في علاقتهم بالشرطة ملف دعوى يتواجه فيه الابن وبيته على ضفتي قاعة المحكمة.
وتلك، في تقديري، ليست مسألة قانونية فقط.
إنها مسألة نفسية وإنسانية ومؤسسية عميقة.
فالخصومة مع الغريب قد تحتمل، أما أن يضطر الابن إلى مقاضاة البيت الذي تربى فيه، فذلك جرح آخر فوق جرح القرار نفسه.
ومن بين المداخلات توقفت طويلا عند عبارة ظلت تتكرر في بعض كشوفات الإحالة وإنهاء الخدمة:
«وفقا للترتيبات الدورية».
وهنا ينبغي أن نتساءل، بكل احترام وهدوء: إذا كانت قوانين الخدمة قد حددت أسباب إنهاء خدمة الضباط وشروطها وآثارها، أفلا يكون الأصل أن يستند كل قرار إلى أساس قانوني واضح ومحدد، يستطيع صاحبه أن يعرفه ويفهمه ويراجعه؟
فالعدالة الإدارية تبدأ من وضوح السبب.
والمساواة تبدأ من وحدة المعيار.
وهيبة الدولة تبدأ من احترام سلطاتها للقانون قبل مطالبة الناس باحترامه.
والسلطة التقديرية، مهما اتسعت، لا ينبغي أن تصبح سلطة بلا حدود، كما أن اختلاف المعاملة بين مراكز قانونية متشابهة يحتاج دائما إلى معيار موضوعي واضح، حتى لا يشعر أحد بأن مستقبله وحقوقه يمكن أن يتغيرا بتغير الأشخاص أو التقديرات.
ولهذا فإن مراجعة هذه الملفات اليوم ليست محاكمة للماضي، بل حماية للمستقبل.
فالمؤسسة القوية لا تخشى أن تراجع نفسها.
والقرار الإداري ليس مقدسا، أما هيبة المؤسسة فتبقى فوق كل قرار، لأنها تستمد قوتها من القانون والعدالة والقدرة على تصحيح ما يستوجب التصحيح.
ومن هنا تأتي مناشدتي:
يا وزارة الداخلية… يا والد هؤلاء الأبناء… افتحوا باب الدار.
افتحوه بالقانون والعدل والحكمة.
فإذا كان الأبناء لا يريدون المحاكم، فلا تجعلوا المحكمة الطريق الوحيد إلى حقوقهم.
راجعوا الملفات المتشابهة.
صنفوا المراكز القانونية.
نفذوا ما استقر من أحكام.
وافتحوا أبواب التسوية القانونية العادلة والمنضبطة لمن تسمح أوضاعهم بذلك.
ومن بلغ سن التقاعد، فلتسو حقوقه بما يحفظ له كرامة العمر والخدمة.
ومن استحق معاشا أو خدمة أو منفعة مقررة، فلتصل إليه دون تعقيد أو من أو أذى.
وإن كانت النصوص القائمة كافية، فلتفعل.
وإن كانت هناك حاجة إلى تعديل تشريعي أو تنظيمي، فليدرس عبر القنوات المختصة، حتى تصبح المعالجة مؤسسية ودائمة، لا استثناء مؤقتا مرتبطا بهذا الملف أو ذاك.
وهناك جانب آخر لا يقل أهمية عن الحقوق المالية والقانونية:
كرامة ضابط الشرطة داخل مرافق المؤسسة.
فالضابط الذي أمضى سنوات عمره في خدمة الشرطة، ثم دخل أي مرفق من مرافقها حاملا بطاقة خدمة أو معاش معتمدة، ينبغي أن يشعر منذ لحظة دخوله أن المؤسسة ما زالت تعرفه.
أن يستقبل بما يليق بتاريخه.
أن تيسر له الخدمة في أعلى مستويات الاحترام.
وأن يشعر أن خروجه من الوظيفة لم يكن خروجا من ذاكرة المؤسسة.
هذه ليست منحة، ولا امتيازا فوق القانون.
إنها ثقافة وفاء مؤسسي تقول للضابط العامل اليوم: أعط هذه المؤسسة عمرك بإخلاص، فهي لن تنسى اسمك عندما تغادر مكتبك.
فالخدمة قد تنتهي.
أما الانتماء فلا ينبغي أن ينتهي.
ولا تجعلوا إعادة الحقوق أو تقديم الخدمات مناسبة للتصوير والاستعراض.
فالحق حين يعود إلى صاحبه لا يحتاج إلى كاميرا.
والكرامة لا تحتاج إلى منصة.
وأجمل الإنصاف ما جاء في صمت، لأنه لا يشعر صاحبه بأن أحدا يمن عليه بما هو حق له.
ولأهل السودان حكمة بسيطة، لكنها تختصر صفحات من علم النفس والإدارة:
بليلة مباشر.. ولا ضبيحة مكاشر.
فالقليل الذي يقدم ببشاشة وكرامة أوقع في النفس من الكثير الذي يصاحبه المن والعبوس.
يا والدنا…
هؤلاء الرجال لا يريدون هزيمة وزارتهم.
ولا يريدون أن ينتصروا عليها أمام القضاء.
إنهم يريدون فقط أن يجدوا باب البيت مفتوحا قبل أن يضطروا إلى طرق باب المحكمة.
فلننتقل من إدارة الخصومة إلى إدارة العدالة.
ومن الدفاع عن كل قرار إلى حماية المؤسسة.
ومن تراكم الملفات إلى إغلاقها بالقانون والإنصاف.
فلا نريد في نهاية هذه القصة ضابطا غالبا ووزارة مغلوبة، ولا وزارة منتصرة وابنا مكسور الخاطر.
نريد نهاية أرفع من ذلك كله:
أن تنتصر الحكمة.
وأن ينتصر القانون.
وأن تنتصر الشرطة السودانية لأبنائها ولنفسها في آن واحد.
وأن تنتصر هيبة الدولة.
فالابن، مهما طال غيابه، يظل ابنا.
والبيت الكبير الذي يستحق اسمه، هو ذلك الذي لا يضيق بأبنائه حين يعودون إليه.

آخر الأخبار
البعد_الاخر مصعب بريــر لماذا تضيق خيمة «حوار الصحفيين» بأهلها ..؟!
أمواج ناعمة تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٨٤) د. ياسر محجوب الحسين
استراحة الجمعة حين يرحل الكبار ويبقى الله ====== ✍️د. الشاذلي عبداللطيف
البعد_الاخر مصعب بريــر روشتة لإصلاح المؤسسات لا وزارات جديدة: نقد علمي لمقال البروفيسور مأمون حميدة
لا نهضة حقيقة بدون دولة قوية كتبت ✍🏻 د.ايناس محمداحمد
وبرغم التوقع.. عبد المعز حسين مكابرابي المجتمع الدولي والكيماوي في حرب السودان (جدلية الإلتباس و ال...
أمواج ناعمة تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٨٣) د. ياسر محجوب الحسين
من «اقرأ» إلى تمكين الإنسان.. هكذا تُصنع التنمية ✍️ : فريق شرطة حقوقي – محمود قسم السي...
أمير عبد المنعم.. عام أول بحجم مرحلة حين تختبر القيادة في زمن استثنائي================✍þ...
احتلال "أصوصا".. الحقيقة عمار العركي