أمواج ناعمة جالكم كلامي؟! د. ياسر محجوب الحسين
أمواج ناعمة
جالكم كلامي؟!
د. ياسر محجوب الحسين
جاءت التصريحات الأخيرة لوزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا لتؤكد ما كان ينبغي أن يكون بديهيا منذ أكثر من عقد: أن التعويل على «حسن النوايا» الإثيوبية كان ضربا من الغفلة السياسية التي لا تليق براسمي السياسات العليا للدول. قال الوزير إن تدفق مياه النهر باتجاه دول المصب «سيكون تحت سيطرة بلاده»، مؤكدا عزم أديس أبابا على المضي قدما في بناء سدود جديدة على النيل، تحت غطاء «الاستخدام العادل» و«التنمية المستدامة». وردت مصر رسميا بأن هذه التصريحات تمثل إمعانا في النهج الأحادي الذي ينتهك القانون الدولي، وتعكس استمرار أوهام فرض الهيمنة على نهر دولي مشترك.
هذا الخطاب ليس مفاجئا. إنه النتيجة الطبيعية لسياسة إثيوبية محكمة اعتمدت منذ وضع حجر الأساس لسد النهضة في 2 أبريل 2011 على شراء الوقت، واستغلال المتناقضات، والمراهنة على ضعف التنسيق بين القاهرة والخرطوم في فترات سابقة. وقّعت الدول الثلاث «إعلان المبادئ» في الخرطوم يوم 23 مارس 2015، الذي نص صراحة على التعاون، وعدم الإضرار ذي الشأن، والاستخدام المنصف والعادل، والتعاون في الملء الأول والتشغيل السنوي. لكن أديس أبابا حولت هذا الإعلان إلى غطاء دبلوماسي يمنحها الشرعية الشكلية، بينما كانت تمضي في البناء والملء الأحادي دون اتفاق ملزم حول قواعد التشغيل، خاصة في سنوات الجفاف.
الخطأ الاستراتيجي لم يكن فقط في عدم الحسم المبكر، بل في التساهل الذي وصل أحيانا إلى درجة تشجيع المشروع أو التهوين من مخاطره، تحت شعارات حسن الجوار والتنمية المشتركة. الدول لا تُدار بالنوايا الحسنة، بل بالمصالح الموثقة والاتفاقيات الملزمة والآليات التي تمنع تحويل الموقع الجغرافي إلى سلاح. إثيوبيا أدارت اللعبة بذكاء: أطالت المفاوضات، استغلت التوترات المصرية-السودانية، وفرضت وقائع على الأرض حتى اكتمال السد ودخوله حيز التشغيل الفعلي. واليوم، بعد أن أصبح السد أمرا واقعا، تنتقل إلى مرحلة التفاخر بالسيطرة والتلويح بسدود إضافية.
ولم يتوقف هذا التعدي السافر عند حدود الملف المائي وتجاوز القانون الدولي، بل تعداه إلى خرق فاضح لسيادة السودان وأمنه القومي؛ إذ باتت إثيوبيا اليوم أكثر جرأة في تقديم الدعم السياسي والعسكري واللوجستي لمليشيا الدعم السريع. فقد أصبحت المسيرات المنطلقة من قواعدها ومطاراتها تدك المستشفيات والمدارس والبنى التحتية في الأراضي السودانية، في تحول خطير يكشف عن مخطط كامل لتنفيذ اطماعها في اراضي الفشقة السودانية وهذا ملف آخر شكلت فيه حسن نوايا الدولة السودانية نقطة ضعف عظمت من الاطماع الأثيوبية، وفرض سياسة الأمر الواقع بلا منازع.
إن الحل ليس في المزيد من التمنيات، بل في تكثيف الجهود الدبلوماسية المركزة، وحشد الضغوط السياسية والاقتصادية والقانونية الدولية على أديس أبابا للقبول بالإدارة المشتركة لقواعد تشغيل السد، وفق ما التزمت به في إعلان المبادئ عام 2015، وكف يدها عن التدخل السافر في الشأن السوداني بما يضمن عدم الإضرار بحقوق دول المصب واستقرار المنطقة. النيل نهر دولي مشترك، وليس ملكا لدولة واحدة. أي محاولة لفرض الهيمنة الأحادية ستبقى مصدر توتر إقليمي دائم، وستكشف يوما بعد يوم أن الرهان على حسن النوايا كان خطأ استراتيجيا باهظ الثمن.
