حين تستعيد الشرطة هيبتها.. يستعيد الوطن طمأنينته ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف
حين تستعيد الشرطة هيبتها.. يستعيد الوطن طمأنينته
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

من خبر العمل الشرطي يعرف أن الأمن لا يقاس بكثرة الدوريات وحدها، ولا بعدد الحواجز، ولا بصرامة القرارات الاستثنائية، وإنما يقاس بقدرة الدولة على أن تخفف تلك الإجراءات وهي مطمئنة إلى أن عينها الأمنية مفتوحة، وأن مؤسساتها قادرة على حماية الناس دون أن تعطل حياتهم.
ومن هنا، فإن إلغاء القرار رقم (3) الخاص بحظر التجول لا ينبغي أن يمر كخبر إداري عابر، بل هو في تقديري رسالة أمنية بالغة الدلالة، تقول إن الشرطة السودانية بدأت تستعيد كامل عافيتها، وإن الدولة تسترد شيئا فشيئا قدرتها على إدارة الأمن بالحضور المؤسسي لا بالإجراءات الاستثنائية.
وهذه خطوة تستحق أن تحسب لقيادة الشرطة السودانية.
فالقيادة الحقيقية لا تقاس بما تقوله في الظروف الطبيعية، وإنما بما تفعله حين تضطرب البلاد وتختلط التحديات وتتسع مساحات المسؤولية.
وقد مرت الشرطة السودانية خلال الحرب بامتحان قاس، لكنها ظلت حاضرة، تقاتل بالجندي، وتحمي بالقانون، وتعيد الانتشار، وتسترد المواقع، وتعيد للمواطن إحساسه بأن الدولة ما زالت قائمة وأن القانون ما زال له رجال.
والتحية هنا واجبة للقيادة الشرطية التي أدارت مرحلة بالغة التعقيد، واستطاعت أن تعيد ترتيب الصفوف، وتدفع بالقوات إلى مواقعها، وتعيد بناء جسور الثقة مع المجتمع.
لكن ينبغي أن نقولها بوضوح:
إلغاء حظر التجول لا يعني إلغاء الحذر.
والعودة إلى الحياة الطبيعية لا تعني أن يتخلى المواطن عن مسؤوليته الأمنية.
فالشرطة مهما بلغت كفاءتها لا تستطيع أن تضع شرطيا أمام كل منزل، ولا دورية عند كل متجر، ولا عينا في كل شارع.
وهنا يبدأ دور المواطن.
في الفكر الشرطي الحديث، المواطن ليس مجرد مستفيد من الأمن، بل شريك في صناعته.
والحي الآمن ليس الحي الذي تكثر فيه الدوريات فقط، وإنما الحي الذي يعرف سكانه بعضهم، ويرصدون ما يخرج عن المألوف، ويتعاملون مع المعلومة الأمنية بجدية ومسؤولية.
لهذا نقول لشعبنا:
كونوا العين التي ترى قبل أن تصل الشرطة.
بلغوا فورا عن أي نشاط مريب.
عن أي سلاح خارج الأطر القانونية.
عن أي مركبة مشبوهة.
عن أي تحرك غير طبيعي.
عن أي محاولة نهب أو سرقة أو اعتداء.
وعن كل ما يثير الريبة أو يهدد أمن المجتمع.
ولا تستهينوا بالمعلومة الصغيرة.
ففي العمل الشرطي، ربما تبدأ أخطر القضايا بملاحظة عابرة، وربما يمنع بلاغ مبكر جريمة كبيرة، وربما تنقذ مكالمة واحدة أرواحا وممتلكات.
والمواطن الذي يبلغ الشرطة لا يتجسس على مجتمعه، بل يحميه.
والذي يتعاون مع رجل الشرطة لا يصنع معروفا شخصيا، بل يؤدي واجبا تجاه وطنه.
وفي المقابل، فإن احترام رجل الشرطة، والتعاون عند نقاط التفتيش، وحمل الأوراق الثبوتية، والالتزام بالتوجيهات الأمنية، وعدم تداول الشائعات، كلها جزء من المسؤولية الوطنية.
فهيبة رجل الشرطة ليست هيبة شخص، وإنما هيبة قانون.
وإضعاف الشرطة لا يضعف المؤسسة وحدها، بل يفتح الباب للجريمة.
أما احترامها وتمكينها من أداء واجبها، فهو حماية مباشرة للمواطن نفسه.
لقد علمتنا الحرب أن الأمن ليس ترفا.
وأن وجود رجل الشرطة في الشارع نعمة لا يعرف قدرها الناس إلا حين يغيب.
وعلمتنا أن الدولة تبدأ من الشرطي الذي يقف في الطريق، ومن القسم الذي يستقبل البلاغ، ومن الدورية التي تصل في وقتها، ومن المواطن الذي يرفض أن يكون متفرجا على الجريمة.
لذلك أقول:
نريد شعبا لا يخاف من الشرطة، بل يثق بها.
ونريد شرطة لا تبتعد عن المجتمع، بل تسكن وجدانه.
ونريد علاقة تقوم على الاحترام، والمعلومة، وسرعة الاستجابة، وسيادة القانون.
التحية لقيادة الشرطة السودانية وهي تستعيد زمام المبادرة.
والتحية لكل ضابط وضابط صف وجندي بقي في موقعه، أو عاد إليه، وأدى واجبه في ظروف كان فيها الثبات بطولة.
أما رسالتي لأهل السودان فهي واضحة:
لا تجعلوا الشرطة تعمل وحدها.
اجعلوا كل حي حصنا للأمن.
وكل مواطن عينا يقظة.
وكل هاتف وسيلة للبلاغ المسؤول.
وكل معلومة صحيحة خطوة نحو حماية الوطن.فحين تتكامل يقظة المواطن مع مهنية الشرطة، تضيق مساحة الجريمة.
وحين تحضر الشرطة ويحضر معها وعي المجتمع، تستقيم الحياة.
وحين تستعيد الشرطة هيبتها، يستعيد الوطن طمأنينته.
حفظ الله السودان.
وحفظ شرطته.
وأدام عليه الأمن والقانون وهيبة الدولة
