إثيوبيا تتمادى.. والاتحاد الأفريقي يتفرّج إلى متى تصمت الخرطوم؟ بقلم : حسبو علي بخيت
إثيوبيا تتمادى.. والاتحاد الأفريقي يتفرّج
إلى متى تصمت الخرطوم؟
بقلم ✍: حسبو علي بخيت

هناك لحظات في تاريخ الدول لا يكون فيها الصمت حكمة، ولا يصبح الاحتجاج الدبلوماسي كافياً، ولا تعود البيانات الرسمية قادرة على حماية وطن تتعرض سيادته وأمنه القومي للخطر.
والسودان اليوم أمام واحدة من تلك اللحظات.
لقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن المعلومات والتقارير التي تتحدث عن استخدام الأراضي الإثيوبية في تحركات عسكرية أو سياسية تستهدف السودان صحيحة وثبتت بالأدلة الرسمية. فإننا لا نتحدث عن خلاف حدودي عابر، ولا عن سوء تفاهم بين جارين، وإنما عن مسألة تمس صميم الأمن القومي السوداني وسيادة الدولة.
وهنا يحق للشعب السوداني أن يسأل وزارة الخارجية بكل وضوح:
ماذا تنتظرون؟
إلى متى ستظل الدبلوماسية السودانية تكتفي بالبيانات والاستدعاءات والاحتجاجات، بينما تتسع دائرة التدخلات الخارجية وتستمر الحرب في استنزاف الدولة والشعب؟
الدبلوماسية ليست أن تكتب احتجاجاً ثم تنتظر الرد.
الدبلوماسية الحقيقية هي أن تجعل الطرف الآخر يدرك أن انتهاك مصالح السودان ستكون له كلفة سياسية. ودبلوماسية حقيقية.
إن حسن الجوار لا يعني استباحة السودان.!!
على إثيوبيا أن تفهم أن السودان ليس دولة بلا ذاكرة، ولا دولة بلا سيادة، ولا ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
لقد ثبت بالدليل القاطع أن الأراضي الإثيوبية استُخدمت لتدريب وتسليح وتنظيم وإدارة كل الأنشطة التي تستهدف الدولة السودانية، وأن أديس أبابا لا تستطيع الاختباء خلف عبارات الحياد أو الادعاء بأن ما يجري لا يعنيها.
من يسمح باستخدام أرضه ضد دولة جارة يتحمل كل مسؤولية سياسية وأخلاقية عن نتائج ذلك.
السودان لا يطالب إثيوبيا بالمستحيل، وإنما يطالبها بما تفرضه أبسط قواعد حسن الجوار: ألا تتحول أراضيها إلى منصة تهدد أمن السودان بدعمها لمليشيا متمردة حاولت اختطاف الدولة السودانية بقوة السلاح ومعارضة تساندها وتتخذ من أديس أبابا مقرا لكل أفاعيلها.
وإذا كانت إثيوبيا تريد أن تكون دولة محورية في القرن الأفريقي، فعليها أن تثبت أنها دولة مسؤولة، لا دولة تستخدم موقعها الجغرافي والسياسي لتحقيق مصالحها على حساب أمن السودان وسيادة أراضيه.
أما الصمت السوداني على أي تدخل مثبت بالدليل القاطع من الجارة إثيوبيا، فلن يكون تسامحاً، بل قد يُقرأ ضعفاً.
الخارجية السودانية مطالبة بكسر الصمت
لقد حان الوقت لأن تنتقل الخارجية السودانية من دبلوماسية رد الفعل إلى دبلوماسية الفعل والمواجهة.
فكل الخيارات يجب أن تكون مفتوحة: تعليق بعض أوجه التعاون، تدويل الملف، واللجوء إلى الآليات الإقليمية والدولية، وصولاً ــ إذا استمر الانتهاك ــ إلى إعادة النظر جذرياً في مستقبل العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا.
ليس المطلوب إشعال حرب جديدة.
المطلوب أن تعرف إثيوبيا أن للسودان خطوطاً حمراء، وأن الدولة السودانية لن تسمح بأن تُدار حربها من خلف الحدود.
أما الاتحاد الأفريقي.. فعليه أن يخجل من صمته. ودوره في الوقوف إلى جانب الباطل.
والأكثر إثارة للغضب هو موقف الاتحاد من هذا العبث السياسي والعسكري. فكيف يمكن لمؤسسة تقول إنها جاءت لتوحيد أفريقيا وحماية أمنها واستقرارها أن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي تدخل خارجي في حرب الدولة السودانية التي تمثل عضواً في الاتحاد الأفريقي؟
أين مبدأ السيادة؟
أين مبدأ عدم التدخل؟
أين المسؤولية الأفريقية؟
أم أن هذه المبادئ أصبحت تُستخدم فقط عندما تناسب الحسابات السياسية لبعض العواصم؟
على الاتحاد الأفريقي أن يخرج من منطقة البيانات الدبلوماسية الرمادية والذمم التي تُشترى بالمال، وأن يفتح تحقيقاً مستقلاً وشفافاً في استخدام أراضي إثيوبيا في دعم العمليات العسكرية التي تستهدف السودان.
ولا يجوز أن تكون هناك سيادة انتقائية، أو عدالة بمكيالين من الاتحاد الأفريقي.
إذا كان الاتحاد الأفريقي عاجزاً عن حماية سيادة دولة عضو، فبأي حق يطالب الشعوب الأفريقية بالثقة في مؤسساته؟
السودان ليس لقمة سائغة
لقد دفع شعب السودان ثمناً باهظاً لهذه الحرب.
قُتل المدنيون، نزح الملايين، دُمرت المدن، انهارت مؤسسات، وتعرض النسيج الاجتماعي لضربات خطيرة.
ومع ذلك ما زال البعض يتعامل مع السودان وكأنه مجرد ملف تفاوضي على طاولة الوسطاء، وليس دولة ذات سيادة وشعب له الحق في الأمن والكرامة.
كفى عبثاً واستخفافاً بدماء الشعب السوداني المكلوم في الأنفس والأموال والأولاد!
كيف يُطلب من السودان ضبط النفس بينما تُفتح الأبواب لعبور الأسلحة والدعم العسكري لمن يريد إطالة أمد الحرب في السودان؟
كفى صمتاً عن مصادر السلاح والتمويل والدعم الخارجي من الإمارات عبوراً بإثيوبيا.
كفى تحويل السودان إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والحروب.
وعلى الخارجية السودانية أن تقولها هذه المرة بكل قوة كما قالها من قبل الفارس السوداني السفير الحارث في المنابر الدولية :
لن نقبل أن تكون سيادتنا موضوعاً للمساومة والاستخفاف.
وعلى إثيوبيا أن تختار بوضوح بين أن تكون جاراً يحترم سيادة السودان، أو طرفاً يتحمل مسؤولية رد الفعل.
وعلى الاتحاد الأفريقي أن يعلم أن الهدف المنشود من تأسيسه هو حماية دول القارة السمراء وليس إشعال الحروب فيها. وأن سيادة الدول ليست شعاراً للاستهلاك السياسي.
أما الشعب السوداني، فقد صبر بما يكفي.
لا نريد حرباً مع دول الجوار السوداني، لكننا نريد دولةً تحمي حدودها وتحفظ كرامتها.
لا نريد قطيعة مع أفريقيا، لكننا نريد اتحاداً يحترم سيادة الدولة السودانية.
لا نريد التصعيد من أجل التصعيد، وإنما نريد موقفاً يردع كل من يظن أن السودان أصبح بلا ظهر ولا صوت ولا قوة.
فالسودان ليس أرضاً سائبة لبغاث الطيور.
وليس دولةً قابلة للابتلاع.
وليس رقماً على هامش الصراعات الإقليمية.
السودان دولة.. وسيادته خط أحمر.
ومن يقترب من أمنه، فعليه أن يعرف أن للصمت نهاية.
