منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

حين يصبح السلام وقودًا للفتنة ================= ✍️*كتب/ حسن البصير*

0

حين يصبح السلام
وقودًا للفتنة
=================
✍️*كتب/ حسن البصير*


▪️ما أحوجنا اليوم إلى لغة العقل لا إلى خطاب الترهيب، وما أخطر أن تتحول اتفاقية أُبرمت لوقف نزيف الدم إلى أداة لابتزاز الوطن وتهديد استقراره. فقد خرج الناشط علي أبكر الدومة بتصريحات لا تشبه روح المرحلة، حين قال: «اتفاقية جوبا ستظل قائمة.. وأي محاولة لإلغائها ستُشعل الشمالية وبورتسودان والجزيرة»، ثم وصف المطالبين بإلغائها بأنهم «عنصريون شماليون»، وختم بعبارة تحمل وعيدًا صريحًا: «حينها ستتمنون لو أنكم لم تعادوا الدارفوريين».
▪️مثل هذا الخطاب لا يخدم قضية دارفور، ولا يحمي اتفاقية جوبا، بل يفتح أبوابًا جديدة للخصومة والانقسام. فتصنيف ملايين السودانيين وفق مناطقهم الجغرافية، ووضع كل من يختلف مع رأي سياسي في خانة العنصرية، ليس دفاعًا عن الحقوق، وإنما تكريس لخطاب الفرز الذي دفع السودان ثمنه غاليًا. كما أن ربط مستقبل اتفاقية سياسية بإشعال مدن وأقاليم بأكملها يحول الاتفاق من وسيلة للسلام إلى أداة للتهديد.
نحن لا ننكر أن لاتفاقية جوبا سياقها السياسي والتاريخي، ولا نتجاهل ما تضمنته من استحقاقات ينبغي التعامل معها بمسؤولية وعدالة. لكن الاتفاقيات الوطنية لا تُحمى بالوعيد، ولا تُنفذ بمنطق القوة، ولا تصبح مقدسة إلى درجة تمنع الشعب من مناقشة بنودها وتقييم نتائجها. وإذا كان هناك خلاف حول مستقبلها،
▪️فالمخرج هو الحوار والمؤسسات والآليات القانونية، لا التلويح بإشعال الشمالية أو بورتسودان أو الجزيرة.
السودان اليوم أحوج ما يكون إلى خطاب يجمع ولا يفرق، ويطفئ الحرائق بدل أن ينفخ فيها. فدارفور ليست خصمًا للشمالية، والشرق ليس نقيضًا للوسط، والجزيرة ليست عدوًا للغرب؛ هذه كلها أجزاء من وطن واحد، ومصيرها لا ينبغي أن يُرسم بلغة الثأر والمكايدة.
▪️ومن أراد لدارفور السلام والكرامة، فليجعل أولويته وقف الحرب وحماية المدنيين وتحرير الأرض من قبضة المليشيات، لا تحويل الخلاف السياسي إلى معركة بين الأقاليم. ومن أراد للسودان وحدةً واستقرارًا، فعليه أن يدرك أن الوطن لا يُبنى بالتهديد، ولا تُصان الحقوق بإرهاب الخصوم، وإنما بالعدل والشراكة وسيادة القانون.
فالاتفاقيات تُصان بالحكمة، والحقوق تُنتزع بالحجة، والوطن لا يحميه منطق الفتنة، بل يحميه السودانيون جميعًا حين يتقدم صوت العقل على صوت الكراهية.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.