لا تجعلوا الحرب تنتصر داخل قلوبكم ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف محمود
لا تجعلوا الحرب تنتصر داخل قلوبكم
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف محمود

قال الله تعالى: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين﴾.
هذه الآية ليست موعظة تقرأ في أوقات السعة، بل منهاج نجاة للأوطان عندما تشتد المحن. فالتنازع يبدد القوة، والكراهية تمزق المجتمع، والصبر الواعي يحفظ الشعوب حتى تعبر أزماتها. وما أحوج السودان اليوم إلى هذا النداء الرباني، بعدما امتدت الحرب من ميادين القتال إلى البيوت والأسواق والمستشفيات، وضاقت المعيشة، وتشردت الأسر، وأصبح الحصول على الطعام والدواء والماء والأمان معركة يومية.
يا أهل السودان في الداخل والخارج، يا من صبرتم في بيوتكم، ويا من حملتم أطفالكم إلى معسكرات النزوح ودروب اللجوء، ويا من فقدتم عزيزا أو منزلا أو مصدر رزق: إن أخطر ما تفعله الحرب ليس هدم المباني، وإنما هدم الإنسان من داخله. إنها تنتصر عندما تزرع الكراهية في القلوب، وتجعل الانتماء إلى القبيلة أو الجهة أقوى من الانتماء إلى الوطن، وتحول خلاف السياسة إلى عداوة بين أبناء الشعب الواحد.
وفي قلب هذه المحنة يقف جيشكم الوطني، يصمد ويتقدم ويستعيد الأرض والثقة يوما بعد يوم، مستندا إلى شعب أدرك أن بقاء الدولة مرتبط بوحدة جيشها وسيادة قانونها. فانتصار القوات المسلحة ليس انتصارا لحزب أو جهة أو شخص، بل انتصار لفكرة الدولة نفسها، ولوحدة السودان، ولحق المواطن في أن يعيش آمنا في بيته، مصونا في نفسه وماله وعرضه.
وليتأمل كل سوداني كيف سيكون حال البلاد، لا قدر الله، إن انتصرت المليشيا واستولت على الدولة ومؤسساتها. والإجابة ليست خيالا ولا تخويفا سياسيا؛ فقد عشتم فصول المأساة، ورأيتم آثارها، وسمعتم شهادات ضحاياها، وقرأتم أخبار المدن والقرى التي دخلتها الفوضى. رأيتم النزوح والنهب وضياع الممتلكات وتعطل المستشفيات والأسواق، وكيف يصبح السلاح فوق القانون، ويخرج الأب بأطفاله من منزله لا يدري إلى أين يمضي.
فإذا كانت هذه بعض فصول المأساة حين نازعت المليشيا الدولة سيادتها وسلاحها وسلطتها، فكيف سيكون حال السودان إن أصبحت المليشيا هي الدولة؟ وأي وطن يبقى عندما تصبح البندقية الخاصة أعلى من القانون، وإرادة المسلح أقوى من مؤسسات البلاد؟
ومع ذلك، فإن معركتنا ليست مع قبيلة أو إقليم أو مكون اجتماعي، وإنما مع مشروع السلاح الموازي للدولة. وكل قبائل السودان أهلنا، ولا يحمل بريء وزر مجرم، قال تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾. ولن نسمح للحرب بأن تتحول إلى باب للعنصرية أو الانتقام، فالعدل لا يتجزأ، وقد قال الله تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾.
كما أن دماء السودانيين ليست أرقاما في نشرات الأخبار، بل أرواح كرمها الله، وأسر فقدت أبناءها، وأمهات ينتظرن الغائبين. قال تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾. ولذلك فإن حماية المدنيين، وإيقاف الانتهاكات، ورد الحقوق، ومحاسبة مرتكبي الجرائم بمحاكمات عادلة، واجبات شرعية ووطنية لا تسقط بالتقادم.
وفي زمن الحرب يصبح التكافل جبهة وطنية. فإطعام الجائع، وإيواء النازح، وعلاج المريض، وكفالة اليتيم، ليست أعمالا ثانوية، بل عبادة ومروءة ووطنية. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».
أما احتكار الطعام والدواء، ورفع الأسعار، واستغلال حاجة المنكوبين، فهو خيانة للدين والوطن. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من احتكر فهو خاطئ». فلا تجعلوا دموع الأمهات، وجوع الأطفال، ومرض الشيوخ أبوابا للثراء.
يا أهل السودان، النصر الذي نريده ليس استبدال فوضى بفوضى، ولا فتح أبواب الانتقام، وإنما عودة الدولة، وسيادة القانون، وجيش وطني واحد، وعودة النازحين إلى ديارهم، ورد المظالم إلى أهلها، وبناء وطن يسع الجميع بالعدل والمواطنة.
انصروا جيشكم، واحموا مجتمعكم، وأغيثوا محتاجكم، واحذروا الشائعات والعنصرية والكراهية. قد تهدم الحرب البيوت، فلا تجعلوها تهدم أخلاقكم. وقد تفرقكم في المنافي، فلا تسمحوا لها بأن تفرق قلوبكم.
ستصمت المدافع بإذن الله، وسيعود النازحون، وستبنى البيوت، وسيكتب التاريخ أن شعب السودان لم يسمح للحرب بأن تهزم وطنه أو تنتصر داخل قلبه.
جيش واحد.. شعب واحد.. وطن واحد
