عندما يربت الله على القلب المهموم ================ ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف
عندما يربت الله على القلب المهموم
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

«سلوا قلبي غداة سلا وثابا
لعل على الجمال له عتابا
ويسأل في الحوادث ذو صواب
فهل ترك الجمال له صوابا
وكنت إذا سألت القلب يوما
تولى الدمع عن قلبي الجوابا»
— أمير الشعراء أحمد شوقي
أيها القلب المهموم، هون عليك.
ليس مطلوبا منك أن تفهم الآن كل ما جرى، ولا أن تجد جوابا لكل سؤال يؤرقك. فبعض الأحداث لا تكشف حكمتها في لحظتها، وبعض الأوجاع لا نعرف الرحمة المخبأة وراءها إلا بعد أن تمضي الأيام. يكفيك الآن أن تعلم أن الله يراك، ويسمع نجواك، ويعلم ما أخفيته عن الناس وعجزت عن التعبير عنه.
قد يثقل الحزن صدرك، فتظن أن الطريق قد انتهى، وأن الأبواب قد أغلقت، وأن ما تنتظره أصبح بعيدا. لكن الله لا يغلق بابا إلا لحكمة، ولا يؤخر أمرا إلا لوقت أنسب، ولا يمنع عبده شيئا إلا وقد علم ما لا يعلمه.
نحن نرى جزءا صغيرا من الحكاية، والله يرى الحكاية كلها. نرى أمنية تأخرت فنحزن، وقد يرى الله في تأخيرها حماية. نرى طريقا تعثر فنضيق، وقد يكون الله يصرفنا إلى طريق أرحب. قال تعالى: «وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون».
فلا تجعل الحزن يقنعك بأنك منسي. كم من دعاء ظن صاحبه أنه لم يستجب، ثم اكتشف أن الله كان يعد له جوابا أجمل. وكم من أمر حسبناه خسارة، ثم تبين أنه نجاة. وكم من باب بكينا أمامه، ثم حمدنا الله طويلا لأنه لم يفتح.
إذا أعياك التفكير، فتوقف قليلا. توضأ، وصل ركعتين، وارفع يديك بلا تكلف. لا تبحث عن الكلمات الكبيرة؛ قل لله ما في قلبك كما هو: يا رب، تعبت فخفف عني، وخفت فآمني، وضاق صدري فأنزل عليه سكينتك، ودبرت أمري بجهلي فدبره لي بعلمك ورحمتك.
وتذكر قوله تعالى: «لا تحزن إن الله معنا». ليست هذه الكلمات وعدا بزوال كل شدة في اللحظة نفسها، ولكنها وعد بألا تكون وحدك في شدتك. ومعية الله أمان حين تخيفنا الطرق، وقوة حين تضعف النفوس، ونور حين تختلط أمامنا الاتجاهات.
لا تحمل هم الغد كله اليوم. خذ من يومك ما تستطيع، وافعل ما تقدر عليه، واترك ما عجزت عنه لله. فالقلق لا يقدم موعدا، ولا يفتح بابا، ولا يغير مقدورا؛ ولكنه يرهق القلب الذي يحتاج إلى الرحمة والرفق.
اهدأ أيها القلب؛ فما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك. وما دام لك رب يسمع الدعاء، ويجبر المنكسر، ويبدل الأحوال، فلا تيأس مهما طال الليل.
خذ بالأسباب، ثم سلم النتائج لله. فقد يأتي الفرج هادئا، وقد يأتي فجأة، وقد يجيء من الباب الذي ظننته أغلق إلى الأبد.
وحين يتحول العسر إلى يسر، والخوف إلى أمان، والانتظار إلى فرح، قل بقلب يعرف صاحب الفضل:
الحمد لله الذي جعل ذلك ممكنا، بتيسير منه وفضل؛ فما تم أمر إلا بإذنه، وما انفتح باب إلا برحمته، وما اطمأن قلب إلا بالقرب منه.
