قُمْ لِلْمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَّبْجِيلَا كَادَ الْمُعَلِّمُ أَنْ يَكُونَ رَسُولَا بمناسبة اليوم العالمي للمعلم 5 أكتوبر بقلم ✍️:حسبو علي بخيت
قُمْ لِلْمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَّبْجِيلَا
كَادَ الْمُعَلِّمُ أَنْ يَكُونَ رَسُولَا
بمناسبة اليوم العالمي للمعلم 5 أكتوبر
بقلم ✍🏼:حسبو علي بخيت

قُمْ لِلْمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَّبْجِيلَا
كَادَ الْمُعَلِّمُ أَنْ يَكُونَ رَسُولَا
أَعَلِمتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي
يَبني وَيُنشِئُ أَنفُسًا وَعُقولا
سُبحانَكَ اللَهُمَّ خَيرَ مُعَلِّمٍ
عَلَّمتَ بِالقَلَمِ القُرونَ الأولى
أَخرَجتَ هَذا العَقلَ مِن ظُلُماتِهِ
وَهَدَيتَهُ النورَ المُبينَ سَبيلا
وَطَبَعتَهُ بِيَدِ المُعَلِّمِ تارَةً
صَدِئَ الحَديدُ وَتارَةً مَصقولا
أَرسَلتَ بِالتَوراةِ موسى مُرشِدًا
وَاِبنَ البَتولِ فَعَلِّمِ الإِنجيلا
وَفَجَرتَ يَنبوعَ البَيانِ مُحَمَّدًا
فَسَقى الحَديثَ وَناوَلَ التَنزيلا
المعلم هو الذي يفتح للناشئة أبوابَ النور، ويأخذ بأيديهم من ظلمات الجهل إلى مشارف المعرفة، ومن ضيق السؤال إلى رحابة الفكر، ومن عجز البدايات إلى مجد الغايات.
وفي الخامس من أكتوبر، حين يحتفي العالم باليوم العالمي للمعلم، فإننا لا نحتفي برجلٍ أو امرأةٍ أدّيا وظيفةً وانصرفا، وإنما نحتفي برسالةٍ ما زالت تحمل على كتفيها أمانةَ بناء الإنسان، وصناعةَ العقل، وتهذيبَ النفس، وإيقادَ مصابيح المستقبل.
سلامٌ على المعلّم يوم كان لنا أبًا حين احتجنا الأبوة، وصديقًا حين ضاقت بنا الصحبة، ومرشدًا حين تشعّبت بنا السُّبل، وسراجًا حين اشتدّت في دروبنا العتمة.
سلامٌ على أولئك الذين لم يبخلوا علينا من معين علمهم، ولم يضنّوا علينا من فيض معرفتهم، فأرووا ظمأ عقولنا، وسقوا حدائق أرواحنا، وغرسوا فينا بذور الطموح، حتى أزهرت فينا أحلامًا، وأثمرت في حياتنا آمالًا.
إلى كل الذين نهلنا من معينهم الذي لا ينضب، وإلى الذين ارتشفنا من شهد علمهم، وتفيّأنا ظلال فكرهم، واستضأنا بمصابيح معرفتهم؛ لكم منا سلامٌ لا ينقطع، وشكرٌ لا ينفد، ودعاءٌ يظلّل أسماءكم ما بقي في العمر نبضٌ وفي الذاكرة أثر.
أيها المعلّم…
لقد أعطيتَنا من عمرك ما لا يُسترد، ومن جهدك ما لا يُقاس، ومن صبرك ما لا يُشترى، ومن علمك ما لا يفنى.
كنتَ تكتب الكلمات، فإذا بها تُكتب في العقول، وكنتَ تشرح درسًا، فإذا بك تبني إنسانًا، وكنتَ تصحح إجابةً، فإذا بك تقوّم مسارًا، وكنتَ تأدب فتحسن التأديب، وكنتَ ترفع قلمًا في يد تلميذ، فإذا بك ترفع به أمةً من وهدة الجهل إلى ذروة المجد.
وما أعجبَ شأن المعلّم!
إنه يبذر بذور حروف المعرفة ولا يسأل أين تنبت، ويغرس الفكرة ولا ينتظر ثمرتها، ويضيء شمعةً من عمره كي يرى الآخرون الطريق.
قد ينسى الطالبُ درسًا من دروسك، وقد تخونه الذاكرة في تاريخٍ أو تعريفٍ أو مسألة، ولكنه لا ينسى ـ مهما طال به العمر ـ معلّمًا آمن به ونهل من معينه الذي لا ينضب، أو كلمةً طيبةً قالها له فغيّرت مجرى حياته، أو يدًا امتدت إليه حين تعثّر، أو قلبًا احتواه حين أوشك أن ينكسر.
فالمعلّم لا يعلّم العقول وحدها؛ بل يربّي الضمائر، ويهذّب المشاعر، ويصوغ الشخصية، ويصنع من الفتى رجلًا يعرف قدر نفسه، ويحفظ حق غيره، ويؤمن بأن العلم ليس زينةً للعقل، وإنما أمانةٌ في العنق ومسؤوليةٌ في الحياة.
ولذلك كان المعلّم في حياة الأمم أكثر من معلّم؛ كان مهندسًا للعقول، وبانيًا للنفوس، وحارسًا للهوية، وصانعًا للمستقبل.
فيا من علّمتنا الأبجدية الأولى، ويا من أخذت بأيدينا إلى أول الطريق، ويا من فتحت لنا نوافذ المعرفة، ويا من أودعت في أرواحنا حب العلم، ويا من كنتَ لنا بعد الله سببًا في أن نرى العالم بعينٍ أوسع، وفكرٍ أعمق، وقلبٍ أكثر وعيًا…
لك منا ألف تحية، وألف شكر، وألف دعاء.
إن نحن بلغنا مقامًا، فلك في بلوغنا سهم؛ وإن نحن حملنا قلمًا، فلك في مداده أثر؛ وإن نحن أحسنّا القول، فلك في حسن البيان فضل؛ وإن نحن عرفنا للعلم قدره، فلأنك علّمتنا أن العلم ليس درجاتٍ على ورق، وإنما درجاتٌ في الحياة، وأن الإنسان لا يُقاس بما يملك من مال، وإنما بما يحمل من علم، وما يمنح من أثر.
ولعل أجمل ما نقدمه لكل معلمي بلادي الحبيبة في يومهم العالمي ليس باقة وردٍ تذبل، ولا كلمة ثناءٍ تعبر، وإنما أن نبقى أوفياء لما علّمونا؛ أن نحفظ العلم الذي أورثونا، ونحسن العمل بما غرَسوه فينا، وننقل النور إلى من بعدنا كما نقلوه إلينا.
فالمعلم لا يريد من تلميذه أن يكون نسخةً منه، وإنما يريد له أن يكون نسخةً أفضل من نفسه.
وما أجمل الوفاء حين يعود الطالب بعد أعوامٍ طويلة، وقد أخذته الحياة في مسالكها، فيقف أمام معلمه قائلًا:
“ما نسيتُك… فما أنا عليه اليوم بعضُ ما زرعتَ فيَّ بالأمس.”
عندها فقط يعرف المعلّم أن تعبه لم يذهب هباءً، وأن السنوات التي أنفقها بين الكتب والدفاتر والسبورة والقلم الأحمر لم تكن سنواتٍ ضائعة، بل كانت عمرًا استثمره في أعمار الآخرين.
أيها المعلّمون…
يا ورثة الأنبياء في رسالة العلم، ويا حرّاس المنارات في زمنٍ تتكاثر فيه العتمات، ويا من تحملون مشاعل المعرفة في أيدي الأجيال… ويا من تمتهنون مهنة الأنبياء والرسل، طوبى لكم بما زرعتم، وطوبى لأثرٍ لا يموت، ولعلمٍ لا يبلى، ولذكرى لا تشيخ وتمحوها الأيام.
سيذهب كثيرٌ من الأشياء كما جاءت، وتذبل وجوهٌ كانت في يومٍ من الأيام ملء السمع والبصر، وتُطوى صفحاتٌ من التاريخ، ولكن أثر المعلّم أبقى من العمر، وأطول من الزمن، وأرسخ من الطود الشامخ؛ لأنه لا يسكن في الجدران، وإنما يسكن في العقول والقلوب.
وفي يومكم العالمي، لا نملك إلا أن نقول:
شكرًا لكل معلّمٍ علّمنا حرفًا، أنار لنا الطريق إلى الذين نهلنا من معينهم الذي لا ينضب، وأفردوا لنا أجنحة الحنان والأمان والاستقرار والطمأنينة، وهانت بجوارهم الصعاب. نقول لكم عبارات الثناء والتقدير والاحترام والشكر، تقف عاجزة عن إطالة قامتها، وتتوارى حروف المدح خجلةً لأنها لا تأتي الوفاء لأهل الوفاء والإخلاص لأهل الإخلاص.
شكرًا لكل معلّمٍ علّمنا علمًا، فوسّع لنا أفقًا.
شكرًا لكل معلّمٍ ربّانا، فصان لنا مستقبلًا.
شكرًا لكل معلّمٍ رأى فينا شيئًا جميلًا قبل أن نراه نحن في أنفسنا.
وشكرًا لكل معلّمٍ كان له في مسيرتنا أثرٌ لا تمحوه السنون ولا تغيّره الأيام.
رحم الله من رحل من معلمينا، وحفظ الله من بقي منهم، وأطال أعمارهم في صحةٍ وعافية، وجزاهم عن العلم وأهله، وعن الأجيال التي صنعتها أيديهم، خير الجزاء.
سلامٌ عليكم يوم علّمتم الحروف وفتحتم العقول ونسجتم بالأنامل ضفائر المعرفة والفكر،
وسلامٌ عليكم يوم أخلصتم،
وسلامٌ عليكم يوم غادرتم الصفوف وبقيتم في القلوب،
وسلامٌ عليكم يوم نلقاكم، فنقول لكم بصدقٍ لا تصنعه المجاملة:
يا من حملتم للعلوم لواءً تستبين به المواكب بعدكم، هذا الذي جودتم به فهتفنا شكرًا لكم.
كنتم لنا معلّمين، فصرتم في الذاكرة آباء، وفي القلب أوفياء، وفي مسيرة العمر صفحاتٍ لا تُطوى.
ومهما تتبارى القرائح والإلهام والأقلام متحدثة عن المعلم الذي يمتهن مهنة الأنبياء والرسل، فهي بحق لم تبرح مكانها ولم تحرك بالقول لسانها.
وحقًا:
قُمْ لِلْمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَّبْجِيلَا…
كَادَ الْمُعَلِّمُ أَنْ يَكُونَ رَسُولَا.
وكلُّ عامٍ وأنتم مناراتُ علم، ومشاعلُ فكر، وصُنّاعُ أجيال، وبناةُ أوطان.
