*إنها أيام المسغبة* *الدولار مقابل الجنيه السوداني إلى أين؟* *بقلم: ناصر الفاتح*
إنها أيام المسغبة
الدولار مقابل الجنيه السوداني إلى أين؟
بقلم: ناصر الفاتح

إن الذي يحدث في الاقتصاد السوداني اليوم. لم يشهده السودان على مر تاريخه الطويل. إنها ليست أزمةً عابرة ولا كبوةً اقتصادية. بل هي أيام المسغبة بعينها. أيامٌ عجاف جاع فيها الناس. وافتقر فيها الغني وطحن الغلاء فيها عظام الفقراء طحناً.
إنه انهيارٌ مريع للجنيه وجنون مطبق لسعر الدولار كل صباح بسعر وكل ساعة برقم. حتى أمسى التاجر لا يبيع والمشتري لا يشتري والمواطن حائرٌ لا يدري أيحتفظ بجنيه لا قيمة له. أم يركض خلف دولار لا يدركه.
وهذا الشعب الكريم الأبي قد ابتُلي ابتلاءً كبيراً. حربٌ أحرقت الحرث والنسل. ونزوح شتت الأسر. وغلاء لا يرحم. ومرض بلا دواء. والحمد لله على كل حال ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا إنا لله وإنا إليه راجعون.
ولو أنصفنا في التشخيص لقلنا إن الداء له ثلاثة رؤوس.
الرأس الأول إرث حمدوك وروشتة البنك الدولي.
جاء عبد الله حمدوك ومن معه. فأخذوا بروشتة البنك الدولي بحذافيرها بلا نظرٍ لواقع السودان ولا لطبيعة شعبه. تعويم كامل للجنيه. ورفع قاسي للدعم عن كل شيء عن الخبز والوقود والكهرباء والدواء.
قالوا إصلاح اقتصادي. فماذا جنت البلاد؟ انهار الجنيه في عهدهم من 55 جنيهاً إلى أكثر من 700. وارتفعت الأسعار أضعافاً مضاعفة وبيع القرار الاقتصادي في سوق النخاسة الدولية. وكان الفقير هو وحده من دفع ثمن هذا الإصلاح المزعوم. لقد كان إصلاحاً على حساب لقمة الشعب.
الرأس الثاني الدكتور جبريل.. والمسؤولية التي تثقل كاهل الجبال
واليوم فإن المسؤولية كلها على عاتق الدكتور جبريل إبراهيم وزير المالية. وهي والله أمانة تنوء بحملها الجبال. يقود سفينة الاقتصاد وهي مثقوبةٌ من كل جانب في بحر من الدماء والحرب لا إيرادات. ولا صادر ولا ضرائب منتظمة ولا مؤسسات تعمل.
إن التاريخ يسجل والشعب يرقب. المطلوب ليس طباعة جنيهاتٍ جديدة لا تساوي قيمة الحبر الذي طُبعت به. لتمويل عجز الموازنة. فتلك سياسةٌ تزيد النار حطباً وتشعل الدولار اشتعالاً. المطلوب خطة إنقاذ وطنية ولاية حقيقية للمالية على المال العام ووقف لنزيف الإنفاق الحكومي الذي لا طائل منه.
الرأس الثالث ذهبنا الذي يُهرّب.. جرحنا النازف.
وهنا الطامة الكبرى والجرح الذي لا يندمل. السودان يسبح فوق بحر من الذهب الخالص. ينتج في العام ما يزيد عن مائة طن. ثروةٌ لو أحسنا إدارتها لما احتجنا لبنك دولي ولا لصندوق نقد ولصار الجنيه كالدرهم والدينار.
ولكن.. أين يذهب هذا الذهب؟
يُهرب. أكثر من ثلثي إنتاجه عبر الحدود في حقائب .وعبر مطارات وبطائرات. تحميه شبكات نافذة ومافيات داخلية وخارجية تتاجر بدماء هذا الشعب. ذهبنا يُبنى به اقتصاد دبي وغيرها وشعبنا لا يجد ثمن ربطة الخبز
أي عقلٍ يقبل أن تكون أغنى دولةٍ بالذهب هي أفقر دولةٍ بالدولار؟
الخلاصة إلى أين؟
إنها أيام المسغبة حقاً ولن تنجلي إلا بثلاث.
أولها: وقف تهريب الذهب بالقوة وتوريده قسراً عبر بنك السودان المركزي فلا سيادة بلا ولاية على الذهب.
وثانيها: وقف طباعة العملة بلا غطاء فهي أكبر لص يسرق قوت الناس.
وثالثها: العودة للإنتاج زراعةً وصناعة فلا اقتصاد بلا إنتاج.
وإن لم نفعل فالقادم أسوأ والجنيه إلى سقوط لا قاع له والدولار إلى رقمٍ لا يُحصى.
اللهم لطفك بهذا الشعب المكلوم اللهم أطعمنا من جوع. وآمنا من خوف.
