منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار
*استراحة الجمعة* *لا تيأس من رحمة الله.. فباب المغفرة لا يغلق* *✍️د. الشاذلي عبدال... *مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُم* *من التبعية الاقتصادية إلى السيادة الصناعية* *✍🏼: فريق ... *مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ* *السوق الحر.. من يحمي المستهلك من جشع المضاربين بقوت المواطنين ؟* *&#... *البروف أحمد آدم يبحث مع شركة أوت لاين كمبني تأهيل الكوادر والبنية التحتية الرياضية في البلاد* *ال... *خبر وتحليل | عمار العركي* *اليوم الثلاثون للحرب الإثيوبية* > شهر من القتال دون حسم > تقراي... *أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا* *سيد قطب وسرّ التصوير الفني في... *اِتِّكَاءَةٌ مَعَ سِيَاسِيٍّ* *=============* *✍️*كتب/ حسن البصير* وبرغم التوقع .. عبد المعز حسين المكابرابي  رفع الحظر عن السلع فزاعة الإقتصاد المأزوم(قراءة للمحمول ف... وبرغم التوقع .. عبد المعز حسين المكابرابي  رفع الحظر عن السلع فزاعة الإقتصاد المأزوم(قراءة للمحمول ... وبرغم التوقع .. عبد المعز حسين المكابرابي  رفع الحظر عن السلع فزاعة الإقتصاد المأزوم(قراءة للمحمول ف...

*أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا* *سيد قطب وسرّ التصوير الفني في القران الكريم* *من سحر البيان إلى رهبة القيامة؛ كيف يحوّل القرآن المعاني إلى مشاهد تهزّ العقل والوجدان؟* *بقلم✍🏼:حسبو علي بخيت*

0

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا
سيد قطب وسرّ التصوير الفني في القران الكريم
من سحر البيان إلى رهبة القيامة؛ كيف يحوّل القرآن المعاني إلى مشاهد تهزّ العقل والوجدان؟
بقلم✍🏼:حسبو علي بخيت

ثمة فرقٌ هائل بين أن تقرأ المعنى، وأن تراه يتشكّل أمام عينيك؛ وبين أن تسمع وصفاً للموت والبعث، وأن تجد نفسك واقفاً في قلب المشهد، تسمع دويّ أحداثه، وتستشعر رهبة مواقفه، وتكاد تلمس تفاصيله من فرط حضوره في وجدانك. هنا تحديداً تتجلّى إحدى أعظم أسرار البيان القرآني، وهنا يفتح سيد قطب نافذة واسعة للتأمل في عبقرية التعبير القرآني، من خلال منهجه في التصوير الفني.
سيد قطب.. حين يصبح الأدب مفتاحاً لفهم البيان القرآني
لم ينظر سيد قطب إلى القرآن الكريم باعتباره نصاً تُستخرج منه المعاني والأحكام فحسب، بل تأمل طرائق تعبيره، وأسرار نظمه، وكيفية تأثيره في النفس الإنسانية. وفي كتابه «التصوير الفني في القرآن»، قدّم رؤية أدبية تقوم على أن التصوير إحدى الخصائص البارزة في التعبير القرآني؛ إذ تُعرض المعاني الذهنية في صور محسوسة، وتُمنح الأحداث حركةً وحضوراً، وتُرسم المشاعر في هيئات تقرّبها إلى الإدراك والوجدان. بل امتد إلى قراءته التفسيرية في كتابه «في ظلال القرآن»، حيث تتداخل دلالة اللفظ مع إيقاع العبارة، وتتآزر الحركة والمشهد والحوار لبناء تجربة شعورية متكاملة.
والتصوير، في هذا المنظور، ليس زينةً بلاغية تُضاف إلى المعنى بعد اكتماله، وإنما هو طريقة في تقديم المعنى ذاته، وإبراز قوته، وتوسيع أثره في المتلقي. فحين يتحدث القرآن عن الغفلة، قد يجعلها غطاءً يُكشف؛ وحين يعرض البعث، يستحضر الأرض التي تدبّ فيها الحياة بعد الموت؛ وحين يصوّر القيامة، ينقل الإنسان من سماع الخبر إلى استحضار هول المشهد.
ومن هنا تأتي أهمية قراءة سورة ق في ضوء هذا المنهج؛ فهي سورة لا تكتفي بأن تخبرك بحقيقة البعث، بل تقودك، مشهداً بعد مشهد، إلى التأمل في أدلته، ثم تضعك أمام رهبة وقوعه، حتى تصبح الحقيقة التي يناقشها العقل قضيةً تستيقظ لها الحواس والضمائر.
سورة ق.. من سكون الأرض إلى زلزلة المصير
تبدأ الرحلة بمواجهة إنكار الإنسان للبعث، لكنها لا تتركه أسير الجدل النظري؛ بل تفتح أمامه كتاب الكون، وتدعوه إلى النظر فيما يحيط به من دلائل الخلق والإبداع.
قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾.
تأملوا المشهد: أرض تمتد أمام النظر، وجبال راسخة تثبّت صورتها، ونباتات تتنوع ألوانها وأشكالها، فتملأ المكان بهجةً ونضارة. لا نقرأ هنا تقريراً جغرافياً بارداً، بل نواجه لوحة كونية تتآلف فيها السعة والثبات والجمال.
وتأتي كلمة «بهيج» لتتجاوز وصف النبات إلى استحضار أثره في النفس؛ فالطبيعة لا تُرى بعين البصر وحدها، بل بما توقظه في القلب من إحساس بالجمال والامتنان. هكذا يصبح المشهد الكوني مدخلاً إلى معرفة الخالق، ودليلاً على القدرة التي لا يعجزها خلق جديد.
لكن السورة لا تكتفي بعرض جمال الحياة؛ إنها تنقلنا إلى سرّ تجددها، حيث تتجلّى واحدة من أبلغ صور الاستدلال على البعث.
حين تنبض الأرض الميتة بالحياة
قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ۝ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ ۝ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾.
هنا تتحرك الصورة أمامك في تتابع بديع: ماء يهطل من السماء، وبذور تستجيب للحياة، وجنات تثمر، ونخيل يرتفع في شموخ، وطلع ينتظم بعضه فوق بعض. أرضٌ كانت موحشةً يابسة، فإذا بها تخلع ثوب الموت وتستقبل الحياة في أبهى مظاهرها.
ثم تأتي العبارة الفاصلة: ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾.
في كلمات قليلة، ينتقل الخطاب من مشهد مألوف تراه العين إلى حقيقة غيبية ينكرها المكذبون. فالأرض التي تحيا بعد موتها ليست مجرد منظر طبيعي؛ إنها شاهد متجدد على إمكان البعث، ودعوة إلى إعادة النظر في حدود القدرة التي يتصورها الإنسان.
وهنا تظهر قيمة التصوير الفني في خدمة الفكرة: لا يُترك العقل وحده أمام حجة مجردة، بل يُستدعى مشهد الحياة المتجددة ليصبح دليلاً حاضراً في الذاكرة والوجدان.
من الغفلة إلى انكشاف الحقيقة.. المشهد الذي لا يترك مجالاً للهرب
إذا كانت مشاهد الطبيعة توقظ العقل إلى إمكان البعث، فإن السورة تنقلنا لاحقاً إلى مشهد وقوعه، حيث تتراجع المسافة بين الإنسان والحقيقة، ولا يبقى للغفلة ملجأ.
قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ۝ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ۝ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾.
تتوالى المشاهد: نفخٌ في الصور، وحضورٌ لكل نفس، وسائقٌ وشهيد، ثم خطاب يواجه الإنسان بحقيقة غفلته. لم يعد الحديث عن مصير بعيد، بل عن موقف يقف فيه المرء أمام ما كان يجهله أو يتجاهله.
وتبلغ الصورة ذروتها في قوله تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾.
أيّ تعبير أقدر على تجسيد الغفلة من هذا الغطاء الذي يحجب الحقيقة عن البصر؟ وأيّ صورة أبلغ في استحضار لحظة اليقين من انكشاف ما كان مستوراً، حتى يرى الإنسان ما لم يكن يراه؟
إن المعنى النفسي يتحول هنا إلى حركة محسوسة؛ غطاء يُكشف، ورؤية تنفذ إلى الحقيقة، وغفلة تتبدد أمام واقع لا يمكن إنكاره. ثم تأتي العبارة الحاسمة: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾، لتصوّر شدة الإدراك ووضوح الرؤية في ذلك الموقف العظيم.
إنها لحظة لا تحتاج إلى صراخ أو إطالة في الوصف؛ فالصورة وحدها كافية لأن توقظ في النفس رهبة السؤال: ماذا لو انكشف لنا اليوم كل ما غفلنا عنه، ورأينا أعمالنا وحقائق وجودنا بلا حجاب؟
جهنم تتكلم.. والجنة تقترب
ثم تمضي السورة إلى مشاهد الجزاء، فتواجه النفس صورتين متقابلتين: رهبة النار، وطمأنينة الجنة.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾.
إنه مشهد تتجاوز فيه الصورة حدود الوصف إلى الحوار؛ سؤال وجواب، وحضور مهيب للنار في سياق الآية، بما يستحضره ذلك من سعة المشهد وهوله. فبدلاً من أن تُقدَّم جهنم خبراً مجرداً، يأتي التعبير في صورة حوار يزيد المشهد حيويةً ورهبة.
وعلى الجانب الآخر، يقول سبحانه: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾.
هنا تتغير نبرة المشهد؛ فالجنة تُقرَّب، والمسافة تزول، والوعد يتحول إلى استقبال. وبين سؤال جهنم عن المزيد وتقريب الجنة للمتقين، يتجلى التقابل الذي يضع الإنسان أمام عاقبة الطريق الذي اختاره.
إنها ليست مقابلة جمالية فحسب، بل مواجهة أخلاقية وإيمانية بين مصيرين، تفتح باب الخوف من العاقبة، وباب الرجاء في رحمة الله ورضوانه.
سرّ التأثير.. حين تتكامل الصورة والحركة والإيقاع
ما الذي يجعل هذه المشاهد راسخةً في الوجدان؟ أهو جمال اللفظ وحده؟ أم قوة المعنى؟ أم حركة الأحداث؟
الحقيقة أن التأثير يتولد من تآزر هذه العناصر جميعاً. فالمشهد الكوني يقدّم الدليل، والحركة تستحضر تجدّد الحياة، والحوار يمنح الموقف حضوراً، والصورة الحسية تقرّب المعنى النفسي، والتقابل يكشف الفرق بين المصيرين. أما إيقاع الآيات وتتابعها، فيسهمان في تشكيل التجربة القرآنية وإبراز أثرها.
وهذا ما يجعل التصوير الفني، في قراءة سيد قطب، أعمق من مجرد البحث عن الاستعارة أو التشبيه أو المحسنات البلاغية. إنه النظر إلى النص في وحدته الفنية، وإلى كيفية تضافر مفرداته ومشاهده لخدمة غايته الكبرى.
وسورة ق مثال بليغ على ذلك؛ إذ تبدأ بإثارة قضية البعث، ثم تسوق شواهد الخلق، وتعرض مصائر الأمم، قبل أن تنتقل إلى النفخ في الصور والحساب والجنة والنار. وهكذا تتدرج المشاهد من المحسوس الذي يألفه الإنسان إلى الغيب الذي يخبر به الوحي، ومن الحجة التي يخاطب بها العقل إلى الموقف الذي يهزّ الوجدان.
الكلمة الأخيرة.. ماذا لو انكشف الغطاء اليوم؟
لقد أعاد سيد قطب، من خلال كتاباته الأدبية والتفسيرية، توجيه الأنظار إلى جانب مهم من جوانب جمال القرآن الكريم؛ جانب لا يقف عند حدود البيان، بل ينفذ إلى أعماق التجربة الإنسانية، حيث تصبح الصورة وسيلةً للفهم والتأمل والتأثر.
غير أن القيمة الكبرى لهذا المنهج لا تتمثل في الإعجاب بجمال التعبير وحده، بل في إدراك الغاية التي تخدمها هذه الصور: هداية الإنسان، وإيقاظ ضميره، وتذكيره بمسؤوليته عن أعماله ومصيره.
ففي سورة ق، لا تظل الأرض مجرد أرض، ولا يصبح المطر مجرد ماء، ولا يكون البعث خبراً بعيداً، ولا تبدو القيامة حكايةً تُروى ثم تُنسى. كل مشهد يفتح نافذةً على حقيقة أكبر، حتى يجد القارئ نفسه أمام السؤال الذي لا يستطيع الهروب منه: هل أعددنا أنفسنا ليوم تنكشف فيه الحقائق، وتسقط فيه الأغطية، ويقف كل إنسان أمام ما قدّمت يداه؟
ذلك هو سرّ التصوير الفني حين يبلغ غايته: أن تقرأ الآية، فتتحرك في داخلك؛ وأن تتأمل المشهد، فتشعر أنك معنيّ به؛ وأن تغلق المصحف، فلا تغلق معه باب المحاسبة في قلبك.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.