فكر الإسلامي المعاصر واتجاهاته وجهود المفكرين في استدامته وعصرنته ورقة مقدمة ضمن فعاليات معرض إسطنبول الدولي للكتاب العربي الحادي عشر في الفترة بين 15 و 23 أغسطس 2026 ✍البروفيسور علي عيسى عبدالرحمن الأحد 9 أغسطس 2026 الاتجاهات المعاصرة للفكر الاسلامي
فكر الإسلامي المعاصر واتجاهاته وجهود المفكرين في استدامته وعصرنته
ورقة مقدمة ضمن فعاليات معرض إسطنبول الدولي للكتاب العربي الحادي عشر في الفترة بين 15 و 23 أغسطس 2026
✍البروفيسور علي عيسى عبدالرحمن
الأحد 9 أغسطس 2026
الاتجاهات المعاصرة للفكر الاسلامي

تتنازع العالم الإسلامي المعاصر ثلاثة تيارات فكرية تمثل هذه التيارات المرجعية للفكر الإسلامي المعاصر وتتمثل في :
أولاً :التيار التقليدي
يذكر د. محمد عمارة «منطلقات هذا التيار ومنابعه هي فكر أسلافنا الذى تبلور في عصور التراجع لحضارتنا الإسلامية على وجه الخصوص والتحديد فأهله ومؤسساته لايعرفون كثيراً عن حقيقة المنابع الجوهرية والنقية لفكر الحضارة الإسلامية. لايهتمون كثيراً بإبداع عصر الإزدهار لهذه الحضارة». (1)
يمكن أن يقسم أصحاب هذا التيار التقليدي الى فصائل، تضم المؤسسات التعليمية الموروثة كالأزهر والطرق الصوفية والسلفيين، فهؤلاء ومهما قيل عنهم وعن جمودهم ونأيهم بأنفسهم عن التجديد، إلا أن الفضل أيضاً يعود إليهم في حفظ التراث الديني كما ورثوه ،دون زيادة أو نقصان ويرى البعض أنّهم سبباً في جمود الفقه الإسلامي وقد تحدث الشيخ محمد عبده عن الأزهر وأبنائه في عصره «أنهم لا يتعلمون في الأزهر إلا بعض المسائل الفقهية وطرفاً من العقائد على نهج يبعد عن حقيقتها أكثر مما يقرب منها وجل معلوماتهم تلك الزوائد التى عرضت على الدين ويخشى ضررها ولا يرجى نفعها، فهم أقرب للتأثر بالأوهام والإنقياد الى الوساوس من العامة، وأسرع الى مشايعتها منهم ،فبقاؤهم فيما هم عليه مما يؤخر الرعية». ( 2 )
تحدث أيضاً الشيخ محمد عبده عن السلفيين بأنهم وإن أنكروا كثيراً من البدع ونحّوا عن الدين كثيراً مما أضيف إليه وليس منه إلا أنهم يرون وجوب الأخذ بما يفهم من لفظ الوارد والتقيد به دون التفات الى ما تقتضيه الأصول التي قام عليها الدين وإليها كانت الدعوة، ولأجلها منحت النبوة». ( 3)
هذا هو رأي الشيخ محمد عبد وليس بالضرورة موافقته إلى ما ذهب إليه ولكن هذا ما ذهب إليه ، والي ذات الفهم ذهب د. الترابي «ومهما يكن الترتيب الرسمي لأصول الفقه – الكتاب والسنة والإجتهاد – فإن المعمول به حقيقة لدى المجتمعات الإسلامية التقليدية هو الرجوع أولاً الى أقوال أصحاب الحواشي والشروح من محرري الفقه ومدونيه ثم من خلال ذلك الى آراء أئمة الإجتهاد، ولا يتجاوز ذلك إلا قليل من العلماء. (4)
إن التيار التقليدي انكفأ على الماضي وترك الساحة الفكرية لأصحاب الهوى من عامة الجمهور وأصحاب الأغراض ممن صنعهم المستعمر فيما عرف بالتغريب.
ثانياً : تيار التقليد للوافد الغربي «التغريب»
أما التيار الثاني ضمن التيارات المعاصرة في الفكر الإسلامي اليوم هناك تيار التقليد للوافد الغربي «التغريب» فإن كان التيار الأول تيار تقليدي يتبع للسلف الصالح. اما هذا التيار تيار تابع للغرب، ويرى أن خلاص الأمة إنما بأخذ ذمام العلم والتكنولوجيا من الغرب ولا يتم ذلك إلا بأخذ الفكر الغربي، ويمثل سلامة موسى هذا التيار حيث يقول: «وإذا كانت الرابطة الشرقية سخافة، لأنها تقوم على أصل كاذب فإن الرابطة الدينية وقاحة فإننا أبناء القرن العشرين أكبر من أن نعتمد على الدين جامعة تربطنا نحن في حاجة إلى ثقافة أبعد ما تكون عن الأديان. وحكومة ديمقراطية برلمانية كماهي في أوروبا، وأن يعاقب كل من يحاول أن يجعلها مثل حكومة هارون الرشيد أو المأمون أوتوقراطية دينية.. انني كلما أردت خبرة وتجربة وثقافة توضحت أمامي أغراضي. يجب علينا أن نخرج من آسيا وأن نلتحق بأوروبا فإني كلما زادت معرفتي بالشرق زادت كراهيتي له وشعوري بأنه غريب عني وكلما زادت معرفتي بأوربا زاد حبي لها وتعلقي بها وزاد شعوري بأنها مني وأنا منها وهذا هو مذهبي الذي أعمل له طول حياتي سراً وجهراً فأنا كافر بالشرق مؤمن بالغرب». (5)
هذا هو رأي هذا التيار والذى عزز من جرأته تزعم المسيحيون الشوام له «ولقد كان رواد – مشروع اللحاق الحضاري – في هذا الطور من أطواره – مجموعة من المثقفين الموارنة الشوام الذين هاجروا الى مصر فراراً من السلطة العثمانية، الذين كانت تحركهم كراهية شديدة للدولة العثمانية وبغض دفين للإسلام». ( 6)
لقد تبلور تيار التغريب والإستلاب الحضاري حاملاً ثقافته الغربية لتحل محل الثقافة الإسلامية. حيث دعا الى العمل بالنموذج الغربي بغض النظر عما يحمل من أفكار تناقض الإسلام ولا تصلح لخدمة المسلمين، وقد كان هدف سلامة موسى واضحاً وضوح الشمس هو إخراج الأمة من آسيا «أي الإسلام» وحضارته والحاقها بالغرب حضارياً.
ثالثاً : تيار الإحياء والتجديد
بين هذين التيارين «تيار التقليد للسلف والتقليد للغرب» هنالك تيار عرف بتيار الإحياء والتجديد ،ينادي هذا التيار بتجديد الفكر والتراث الإسلامي ليتماشى مع الواقع، ويلحق بالتطور فيما لا يتنافى مع الإسلام. «ينبغي علينا لذلك أن ننهض بحملة فكرية جديدة لتسد هذه الثغرة الواسعة التي نشأت وما انفكت تتعاظم منذ القرن السابع ولنقضي علي الأعراف الراسخة من المذهبية العصبية والتقليدية الجامدة. ولكن عصبية التقليد تأبى أن تنفتح لمقتضيات التجديد وتؤدي الى قلق شديد إزاء كل تعبير جديد فضلاً عن المعنى الجديد وكثيراً ما نسمع من هؤلاء تنكيراً على كلمات معبرة بحجة أنها غير إسلامية ويغفلون عن أن إمكانات الحياة كلها خلقت لعبادة الله، ولو رأينا شيئاً منها لدى غيرنا فإن واجبنا أن نستولي عليه لنسخره لعبادة الخالق بعد أن كان مستخدماً لمعصيته، وكذلك الحكمة هي ضالة المؤمن يأخذها أنى وجدها، ويتوسل بها إلي ربه ولا نحتاج إزاء الأسلوب التعبدي الجديد أو المعنى الحكيم أو التجربة النافعة أو الأداة المادية الصالحة أن نطلب لها شاهداً من التاريخ أو سابقة من السلف». (7 )
إن المنابع التي انطلق منها تيار الإحياء والتجديد تتمثل في مبادىء الإسلام وثوابت التراث الإسلامي وما أبدعه العقل الإنساني «وإذا كان تراث حقبة الجمود والتراجع في حضارتنا العربية الإسلامية قد كان بضاعة تيار التقليد للموروث، وإذا كان النموذج الحضاري الغربي قد مثل منابع ومنطلقات تيار التغريب فإن المنابع التى إنطلق منها تيار الإحياء والتجديد تمثلت في مبادىء الإسلام كما تمثلت في منابعه الجوهرية والنقية البلاغ القرآني، والبيان النبوي للقرآن الكريم، كما تمثل في السنة النبوية الثابتة، وثوابت التراث العربي الإسلامي التى مثلت قسمات الهوية الحضارية للأمة والتى حفظت لأجيالها تواصلها الحضاري ووحدتها كأمة عبر الزمان والمكان. وكل ما أبدعه العقل الإنساني في مختلف الحضارات، كما تمثل في الحقائق والقوانين التى مثلت وتمثل العلوم التي لا تتغاير موضوعاتها بتغاير الحضارات والمعتقدات أى العلوم الموضوعية المحايدة التى هي «مشترك انساني عام» متميز عن «العلوم الإنسانية» ومنها الثقافة التي تدخل الخصوصيات التى تتمايز فيها الحضارات تلك كانت المنابع الفكرية لتيار الإحياء والتجديد». (8)
وهو مذهب الشيخ محمد عبده ويقول: «لقد ارتفع صوتي بالدعوة الي تحرير الفكر من قيد، التقليد وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف والرجوع في كسب معارفه الى ينابيعها الأولى واعتباره من ضمن موازين العقل البشري التى وضعها الله لترد من شططه، وتقل من خبطه، وخلطه لتتم حكمة الله في حفظ نظام العالم الإنساني، وأنه على هذا الوجه يعد صديقاً للعلم، باعثاً على البحث في أسرار الكون، داعياً الى إحترام الحقائق الثابتة ،مطالباً بالتعويل عليها في أدب النفس وإصلاح العمل كل هذا أعده أمراً واحداً». (9)
هكذا يتحدث أنصار التجديد لنهضة الفكر الإسلامي وتقديمه كبديل حضاري للإنسانية عامة ولنهضة المسلمين خصيصاً.
تحديات الفكر الإسلامي المعاصر
تعرض الفكر الإسلامي
على مدى قرنين، لموجة عاتية من التبشير والاستشراق والغزو الفكري التي حاولت تقويض التوحيد والتشكيك بالمقدس وكل ما تجتمع الأمة على الإيمان به، وتولى كِبرَها فرديًا ومؤسسيًا المبشرون والمستشرقون معززين بالأموال وأجهزة الاستخبارات والبوارج الحربية وجيوش الاحتلال (10)
جهود المفكرين والعلماء المسلمنن في توجيه الفكر الأسلامي المعاصر
وهكذا كان دفاع العلماء والمفكرين المسلمين في مواجهة الهجمات التي تعرض لها الفكر الإسلامي، حيث توالت المشروعات الفكرية التي أعادت تأسيس مناهج العلوم الإسلامية والعربية بشكل أكاديمي حديث. وقدم المفكرون المسلمون إسهامات هامة في دراسة وتفكيك التجربة الغربية وظاهرة الاستعمار.
البروفيسور حسن مكي حفظه الله كان يدرسنا في جامعة أم الإسلامية مادة تسمى الفكر الإسلامي المعاصر وكان يحدثنا عن المفكر المسلم جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وأنهما من أوائل من قدما أطروحات في نقد الأنموذج الغربي وتفكيك ظاهرة الاستعمار .
يطوف بنا مازن النجار الباحث في التاريخ والاجتماع ويحدثنا عن مفكرين مسلمين معاصرين ويقول :(وقد تطوَّرت جهود المفكرين المسلمين أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين نحو تقديم مشروعات فكرية وأطروحات “حداثية” الأدوات والنهج في نقد الأنموذج الغربي، وتفكيك ظاهرة الاستعمار للتحرّر من التبعية، واجتراح نماذج فكرية ونهضوية مستقلة عن الأنموذج الرأسمالي والسيطرة الغربية). ويضيف الباحث مازن :(ساهم في هذه الجهود عشرات المفكرين أمثال جمال الدين الأفغاني (الجامعة الإسلامية ومكافحة الاستعمار والنهوض بالتعليم ونقد الفكر الإلحادي)؛ محمد عبده (إصلاح التعليم الديني وتيار الدفاع الإسلامي ضد الاستشراق)؛ محمد رشيد رضا (استكمال المشروع السلفي الإصلاحي لشيخه محمد عبده ومواكبة قضايا الإسلام والدعوة) ؛ محمد حسين هيكل (تأصيل التاريخ الإسلامي المبكر)؛ محمد إقبال (تجديد الفكر الديني وإحياء الروح الإسلامية)؛ مصطفى صادق الرافعي (الأدب الإسلامي والتأصيل الفكري)؛ عباس محمود العقاد (التجديد الأدبي والفلسفي وتأصيل التاريخ الإسلامي).
كذلك حسن البنا، وأبو الأعلى المودودي، وأبو الحسن الندوي (تأصيل منطلقات الدعوة والحركة الإسلامية والنظم الإسلامية وقضايا الأمة)؛ سيد قطب (الإسلام كشرط ذاتي للنهضة)؛ مالك بن نبي (الشروط الموضوعية للنهضة)؛ محمد محمد حسين، ومحمد جلال كشك (نقد وتأريخ التغريب والغزو الفكري)؛ عمر فروخ (دراسة التبشير والاستعمار)؛ محمود محمد شاكر (تجديد الأدب وعلوم العربية وتأصيل الثقافة الإسلامية ونقض الاستشراق)؛ المهدي بن عبود (نقد الفكر الغربي)؛ محمد نقيب العطاس (إسلامية المعرفة ونهوض العقل المسلم).وأيضًا محمد أبو القاسم حاج حمد (نقد الليبرالية والماركسية، العالمية الإسلامية الثانية ومنهجية القرآن المعرفية)؛ عبد الوهاب المسيري (تفكيك الصهيونية والإمبريالية، نقد المادية والعلمانية، وطرح خطاب إسلامي جديد)؛ مدرسة المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن: إسماعيل الفاروقي، عبد الحميد أبو سليمان، طه جابر العلواني، منى أبو الفضل، جمال برزنجي، هشام الطالب (إسلامية المعرفة وأسلمة مناهج علوم الاجتماع، منهجية القرآن المعرفية، قضايا العقل المسلم)؛ عادل حسين (تأصيل الفكر الاقتصادي والتنموي وحركة التغيير)؛ منير شفيق (نظرية الثورة والتغيير، ومواجهة الانحطاط الحضاري، ومقاومة الصهيونية والإمبريالية).
وكذلك علي شريعتي (سوسيولوجية الدين، وأيديولوجية التغيير، ونقد الفكر الغربي)؛ حامد ربيع (تأصيل الفكر السياسي الإسلامي)؛ محمد عبدالله دراز، وعبدالحليم محمود، ورشدي فكّار (تأصيل دراسات الدين والوحي والفلسفة)؛ علي عزت بيغوفيتش (نقد الفكر المادي وطرح الإسلام في فضاء التداول الفكري الغربي المعاصر). وهناك عشرات أخرى من المشروعات الفكرية التي تطوّرت في سياق الاستجابة للتحدي الغربي أكاديميًا أو فكريًا أو سياسيًا(11).
المصادر والمراجع
1.أزمة الفكر الإسلامي الحديث، د. محمد عمارة، دار الفكر دمشق، ط 1 / 1998م، ص81 .
2.الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، دراسة وتحقيق، د. محمد عمارة، طبعة بيروت 1972م، ج 3 ص 112 – 114 .
3.الأعمال الكاملة، محمد عبده، ص 314
4.قضايا التجديد، د. الترابي، ص 69 .
5.الإتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر د. محمد محمد حسين، ط 1980م القاهرة، ج 2، 212 .
6.أزمة الفكر الإسلامي الحديث، د. محمد عمارة، دار الفكر دمشق، ط 1 / 1998م، ص88 .
7.قضايا التجديد، د. الترابي، ص 75
8.أزمة الفكر الإسلامي الحديث، د. محمد عمارة، ص 99 .
9.الأعمال الكاملة، للإمام محمد عبده، ج 2 ، ص 318 .
10.https://www.ajnet.me/opinions/2024/10/22/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D9%83
11.https://www.ajnet.me/opinions/2024/10/22/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D9%83
مازن النجار
باحث في التاريخ والاجتماع
د. مازن النجار أكاديمي مختص بالإدارة الصناعية ونظم الإنتاج، وكاتب وباحث ومترجم في مجالات الفكر والتاريخ والاجتماع، مع اهتمام خاص بدراسات الاستيطان والعهد القديم والدراسات الأميركية والكتابية (العهد القديم). يمارس الكتابة والترجمة والتحرير الأكاديمي والصحفي، بالعربية والإنجليزية، منذ عام 1980. شارك في تأسيس وإنتاج عدد من المجلات الفكرية والأكاديمية، وشارك في التحكيم والتقييم العلمي لعدد منها. وقد نُشرت له مئات المقالات والدراسات وعروض الكتب والتقارير في صحف ومواقع ومجلات بشكل أسبوعي أو الاعلامية
