خطاب مهم .. لكنه ليس كافياً د. إسماعيل الحكيم
خطاب مهم .. لكنه ليس كافياً
د. إسماعيل الحكيم
إن خطاب البرهان في عيد الجيش الـ72 لم يكن خطاباً ناقصاً بمعنى أنه أغفل كل شيء ، ولكنه كان خطاباً انتقائياً في أولوياته.
حيث وضع الخطاب الحرب في المقدمة، وأكد استمرار المعركة حتى تحقيق أهدافها، وأعاد التأكيد على مركزية الجيش، وفتح نافذة سياسية واسعة عبر الحوار السوداني ـ السوداني، وطرح ضمانات مؤقتة للمشاركين، وجدد الحديث عن السلام. وهذه كلها رسائل ذات وزن في اللحظة السودانية الراهنة.
لكن ما كان ينقص الخطاب هو الانتقال من لغة المبادئ إلى لغة المشاريع.
كنا وما نزال بحاجة إلى سماع صورة أكثر تفصيلاً عن اليوم التالي: عن الاقتصاد، والإعمار، والعدالة، وعودة النازحين، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإصلاح الحياة السياسية، وكيفية صناعة التوافق الوطني، وكيفية تحويل السلام من أمنية إلى مسار قابل للتنفيذ.
والأهم من ذلك كله أن السودان لا يحتاج بعد الآن إلى مجرد تسوية سياسية جديدة؛ فقد جرب السودانيون تسويات كثيرة انتهت إلى أزمات أكبر.
السودان يحتاج إلى تأسيس جديد. تأسيس لا يعيد إنتاج الذين أوصلوا البلاد إلى حافة الانهيار، ولا يقصي كل المختلفين، ولا يساوي بين من وقف مع الدولة ومن وقف ضدها، ولا يجعل العدالة خصماً للسلام، ولا يجعل السلام ستاراً للإفلات من المسؤولية.
إن المعادلة الصعبة التي رسمها خطاب البرهان يمكن اختصارها في جملة واحدة:
أن تنتهي الحرب دون أن يتحول السلام إلى استسلام، وأن يبدأ السلام دون أن يتحول الحوار إلى صفقة، وأن تُبنى السياسة دون أن تُهدم العدالة، وأن يُطوَّر الجيش دون أن تتحول الدولة إلى مؤسسة عسكرية، وأن تُفتح أبواب المستقبل دون أن تُغلق ملفات الماضي.
وهذه، في تقديري، هي المعركة الأكبر بعد المعركة.
فإذا كان الجيش قد خاض معركة البقاء، فإن الدولة السودانية مطالبة الآن بخوض معركة البناء.
وإذا كانت معركة السلاح قد حددت من يملك الأرض، فإن معركة السياسة والاقتصاد والمؤسسات هي التي ستحدد من يملك المستقبل.
ومن هنا فإن خطاب عيد الجيش الـ72 يمكن أن يكون بداية مهمة، لكنه لن يصبح خطاباً تاريخياً إلا إذا تحولت رسائله إلى سياسات، وتحولت وعوده إلى مؤسسات، وتحول حديثه عن السلام إلى طريق واضح، وتحول الحوار من مجرد باب مفتوح إلى مشروع وطني حقيقي.
فالسودان لا يحتاج فقط إلى أن ينتصر في الحرب؛ بل يحتاج إلى أن ينتصر في السلام.
