*اِتِّكَاءَةٌ مَعَ سِيَاسِيٍّ* *=============* *✍️*كتب/ حسن البصير*
اِتِّكَاءَةٌ مَعَ سِيَاسِيٍّ
=============
✍️*كتب/ حسن البصير*

وبما أن الزواج في عرفه مشروع لا يُقدم عليه المرء دون دراسة جدوى، فقد استدعى نفرًا من معاونيه، وأصدر إليهم تعليمات صارمة بالتقصي والتحري عن المرأة، وسؤال الجيران والمعارف وكل من يمكن أن يكشف لهم شيئًا عن ماضيها وحاضرها وأخلاقها.
قال لهم بلهجة رجل يخشى على مستقبله السياسي أكثر مما يخشى على ضميره: «أريد الحقيقة كاملة! لا أريد أن أتزوج امرأة تحوم حول سمعتها الشبهات، أو تلاحقها الأقاويل، أو يسبقني إليها تاريخ لا يليق بمقامي!»
▪️انطلق المعاونون في مهمة أشبه بتحقيقات المخابرات، فطرقوا الأبواب، وجالسوا الجيران، واستنطقوا المعارف، وجمعوا الشهادات، حتى عادوا إليه بعد أيام بملف متكامل ظنّ أنه سيحمل إليه أسرارًا خطيرة.
جلس السياسي خلف مكتبه، ثم سألهم ماذا وجدتم؟
تبادل المعاونون النظرات، وتقدم أكبرهم سنًا، وقال: «سيدي، لقد بذلنا جهدًا كبيرًا في التحري عنها، وسألنا كل من يعرفها، من جيرانها إلى معارفها، وكانت النتيجة مفاجئة! .. انتفض السياسي و قال كيف؟ هل لها علاقات مشبوهة؟ هل تورطت في فضائح؟ هل عُرفت بسوء السلوك؟»
أجابه المعاون بهدوء: «على العكس تمامًا يا سيدي! كل من سألناهم شهدوا لها بالاحترام وحسن السيرة، وأكدوا أنها امرأة لا غبار عليها، ولم يذكر أحد عنها سوءًا، ولا عيبًا، ولا سلوكًا مشينًا». لكن هناك أمر واحد فقط يا سيدي، ذكره بعض الناس بأنها في الأيام الأخيرة تعرّفت على سياسي منحرف، تحوم حوله شبهات الفساد، ويتردد عليها باستمرار، وقد أفسد عليها هدوء حياتها وأصبح حديث الناس عنها!
قطّب السياسي حاجبيه، وضرب المكتب بيده، وصاح: «سياسي منحرف؟! حرامي كمان؟! من يقصدون أعطوني اسمه فورًا
خفض المعاون رأسه قليلًا، ثم قال: «يا سيدي، الاسم معروف، والصورة معروفة، والعنوان معروف،
ساد الصمت.
نظر السياسي إلى معاونه، ثم إلى بقية الحاضرين، وأخذ يقلب أوراق الملف بارتباك، كأنه يبحث بين السطور عن مخرج سياسي للأزمة، ثم تمتم: «يعني… تقصدون أنني أنا؟!»
أجابه المعاون ببرود: «نحن لم نقل ذلك يا سيدي، وإنما نقلنا إليك ما قاله الناس!»
▪️وهنا أدرك السياسي أن التحقيق الذي أمر بإجرائه لكشف عيوب المرأة، قد انتهى بكشف عيوبه هو، وأنه دخل الحكاية بصفته عريسًا محتملًا، وخرج منها متهمًا في قضية أخلاقية!
▪️العبرة من الحكاية أن بعض الناس ينصّبون أنفسهم قضاة على أخلاق الآخرين، وهم أحوج ما يكونون إلى محاكمة أنفسهم. والمفارقة الساخرة أن الرجل لم يكن يخشى أن تكون المرأة سيئة السمعة بقدر ما كان يخشى أن تكون سمعته هو سببًا في إساءة سمعتها!
فما أكثر الذين يفتشون في دفاتر الآخرين، وينسون أن أسماءهم تتصدر الملفات التي يبحثون عنها!
