*لجنة الطوارئ الاقتصادية.. قرارات جريئة أم مسكنات لأزمة متجذرة؟* بقلم د. إسماعيل الحكيم
*لجنة الطوارئ الاقتصادية.. قرارات جريئة أم مسكنات لأزمة متجذرة؟*
بقلم د. إسماعيل الحكيم
*Elhakeem.1973@gmail.com*
واقع اقتصادي مرتبك يئن تحت وطأة الحرب وتداعياتها وتدني مريع للجنيه السوداني مقابل العملات الأخرى وضع اقتصادي مامزوم لبلد غني.. لأجل ذلك جاء اجتماع لجنة الطوارئ الاقتصادية ليضع عشر توصيات وقرارات قُدمت باعتبارها طوق نجاة للجنيه السوداني المنهك أمام العملات الأجنبية. توصيات تمس صميم الدورة الاقتصادية للبلاد لعل أبرزها إيقاف الاستيراد إلا وفق ضوابط صارمة وتمكين شرطة مكافحة التهريب وهي الحارس الأمين إلى جانب ترتيبات خاصة بالذهب، السلعة الأثمن والتي قد تكون مفتاح الإنقاذ إن أُحسن استغلالها.
هذه القرارات تحمل في ظاهرها صرامة وجدية، لكنها في جوهرها تمثل اختباراً صعباً لقدرة الدولة على فرض هيبتها في السوق، ومواجهة شبكة مصالح واسعة من المهربين والسماسرة وأصحاب النفوذ الذين ظلوا يستفيدون من الفوضى المالية لعقود. فوقف الاستيراد على سبيل المثال لم قرار إداري صرف، بل هو مواجهة مباشرة مع منظومة مصالح متشابكة، ومتمرسة وإذا لم تقترن الضوابط بالرقابة الصارمة والشفافية والمحاسبة الوقتية ، فإن القرار قد يتحول إلى باب خلفي جديد للفساد والاحتكار.
أما الذهب، فهو قصة طويلة تختزل مأساة الاقتصاد السوداني.. فالسودان بلد يطفو على بحر من المعدن النفيس لكنه يعيش شظف العيش وانهيار العملة. والسبب ليس ندرة المورد، بل غياب الإدارة الرشيدة، وترك الثروة الوطنية نهباً للتهريب والتلاعب. ومن هنا تأتي أهمية ما أوصت به اللجنة من ترتيبات لإحكام السيطرة على قطاع الذهب، وضمان دخول عائداته إلى خزينة الدولة لا إلى جيوب الأفراد.
غير أن التحدي الأكبر أمام هذه التوصيات هو الإرادة السياسية والإدارية. فكم من لجان سابقة رفعت تقارير ووضعت حلولاً، لكنها ذهبت أدراج الرياح لغياب المتابعة أو بفعل مراكز القوى التي تقتات من استمرار الفوضى. المواطن السوداني لم يعد بحاجة إلى نصوص براقة ووعود متكررة، بل إلى نتائج ملموسة تنعكس على سعر الصرف وعلى أسعار السلع في الأسواق.
لقد آن الأوان للاعتراف بأن معركة الاقتصاد لا تقل شراسة عن معركة الميدان، وأن حماية الجنيه السوداني تعني حماية السيادة الوطنية. وإذا ما كُتب لهذه القرارات أن تجد طريقها إلى التنفيذ الجاد، فقد تكون بداية لمرحلة جديدة تُستعاد فيها الثقة بالعملة الوطنية، ويُستعاد معها الأمل في اقتصاد متماسك رغم جراح الحرب.
ويبقى السؤال مفتوحاً هل ستتحول توصيات لجنة الطوارئ الاقتصادية إلى خطوة جادة في مسار الإصلاح، أم ستظل مجرد حبر على ورق يُضاف إلى سجل طويل من اللجان والقرارات المؤجلة؟