منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة *خفة بت النسيم*

0

زاوية خاصة

 

نايلة علي محمد الخليفة

 

*خفة بت النسيم*

 

في عزاء أحد جنوده الذين استُشهدوا بمدينة الفاشر ، وهو من أبناء نهر النيل ، قال رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان اليوم ،
لا تفاوض مع الرباعية أو مع أي جهة كانت ، السلام يجب أن يعيد كرامة الشعب السوداني ويصونها ، نحن مستعدون فقط لما يصلح السودان وينهي الحرب بصورة تحفظ وحدته وتمنع أي تمرد ،
وأضاف “ماف زول بفرض علينا ناس الشعب رفضهم” .

تصريحات البرهان هذه شكّلت صدمة لأحلام الصموداب والتأسيساب ، الذين ظلّوا ينسجون خيوط الأوهام حول عودةٍ مرتقبة إلى الحكم ، وكأنهم يعيشون في عالمٍ من الخفة السياسية يشبه تمامًا خفة تلك الفتاة التي ستأتي حكايتها .

في العامية السودانية ، حين يُقال عن فتاة إنها خفيفة ولفيفة ، فذلك لا يُعد مديحاً أبداً ، بل هو توصيف يحمل في طيّاته نقداً لاذعاً ، ودلالة على الطيش ، وقلة الاتزان ، وعدم الاكتراث لما يقوله الناس أو تقتضيه الأعراف ، إنها الفتاة التي تستبق الأحداث ، وتفعل وتقول دون حياء ، وتُظهر من الجرأة ما يتجاوز حدود المنطق واللياقة .

ولعل هذه الصورة تختصر تماماً حكاية فتاة حِلّة النسيم ، والنسيم هنا اسم رمزي لمنطقة ما في السودان ، سمعَت بأن ابن جيرانهم المغترب قادم من أوروبا ، وأن أسرته تبحث له عن عروس ، فما كان منها إلا أن أخذتها الخفة واللِفة ، فبدأت تتردد على بيت الأسرة أكثر مما يليق ، تساعد الأم في أعمال المنزل ، وتُظهر اهتماماً مبالغاً فيه بابنهم الغائب ، تسأل عنه وعن موعد قدومه وهل اتصل أم لا . ومع الوقت صار الأمر حديث الجيران ، إذ كانت لا تترك مناسبة إلا وتحدّثت فيها عن العريس القادم ، وتُلمّح إلى أن والدته وأخواته لا يرون عروساً أنسب منها ، بل إنها هيّأت نفسها بحبسة عروسة ، تنتظر اللحظة الموعودة التي تصير فيها زوجة الحلم .

لكن عندما عاد الشاب ، لم يقع اختياره عليها ، بل اختار زميلة دراسته ، فانهارت المسرحية ، خرجت الفتاة من وهمها إلى شوارع الحِلّة كمن أصيب بمسّ ، يتحاشاها الصغار والكبار على السواء ، كانت الخفّة واللفّة بداية الحكاية ، وكانت السقطة خاتمتها .

هذه القصة ليست بعيدة عن مشهدنا السياسي اليوم ، حيث يمارس تحالف صمود وبعض قيادات المليشيا الدور ذاته ولكن على نطاقٍ سياسيّ أوسع ، يتوهّمون أن الرياح السياسية تهبّ في صالحهم ، وأن اتفاقية سلام غزة فتحت لهم باب العودة إلى السلطة ، صاروا ينسجون الروايات كما كانت تفعل تلك الفتاة ، فيقنعون أنفسهم بأن القادم هو السودان ، وأن الرباعية ومعها ترامب سيفرضون اتفاقاً جديداً يضعهم على الكراسي من جديد .

في كل موقع إلكتروني ، وعلى كل قناة ، تجد تصريحاتهم تتحدث باسم البرهان دون أن يتحدث ، وتضع الكلمات على لسان كباشي دون أن ينطق ، وترسم ملامح اتفاقٍ خيالي يُمهّد لعودة حمدوك ، ينسجون الوهم بخيوط الخفة نفسها التي نسجت بها تلك الفتاة أحلامها الزائفة .

لكن كما انتهت حكاية بت النسيم بخيبةٍ مدوّية ، سينتهي وهم صمود ومليشياتها بخيبةٍ أكبر ، فالواقع لا يخضع للأمنيات ، والسياسة لا تُدار بخفّة ولا لفّة … لنا عودة .

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.