تقرير اسماعيل جبريل تيسو : *أدلجة الجيش السوداني،، اسطوانة مشروخة* *تقاطع أجندات داخلية وخارجية تسعى لتغيير بنية الجيش ودوره المستقبلي..*
تقرير اسماعيل جبريل تيسو :
*أدلجة الجيش السوداني،، اسطوانة مشروخة*
*تقاطع أجندات داخلية وخارجية تسعى لتغيير بنية الجيش ودوره المستقبلي..*

تصاعد ملحوظ للاتهامات الموجهة ضد المؤسسة العسكرية
علاقة راسخة بين الأحزاب والمؤسسة العسكرية، منذ استقلال السودان..
الفريق تاور: تبعية الجيش للحركة الإسلامية ادعاء باطل وحديث مضلل..
حملة مغرضة لتشويه صورة الجيش صمام أمام السودان تمهيداً لتفكيكه..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..
تشهد الساحة السودانية تصاعداً ملحوظاً في حدة الاتهامات الموجّهة إلى القوات المسلحة السودانية بشأن تبعيتها للحركة الإسلامية والإخوان المسلمين، وسط دعوات من جهات إقليمية ودولية، إضافة إلى مكونات سياسية داخلية، تطالب بإخراج الإسلاميين من الجيش وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، وتأتي هذه الاتهامات في سياق حرب مفتوحة وتحوّل سياسي معقد، تتقاطع فيه أجندات داخلية وضغوط خارجية تسعى لتغيير بنية الجيش السوداني ودوره في مستقبل البلاد.
علاقة راسخة:
والواقع أن علاقة الأحزاب السودانية بالمؤسسة العسكرية، ظلت إحدى أكثر سمات المشهد السياسي رسوخاً منذ الاستقلال، حيث لم يشهد السودان انقلاباً عسكرياً إلا وكان خلفه اتصال أو دعم مباشر من قوى سياسية أو حزبية،
بدأ ذلك مبكراً في 1958م عندما قام رئيس الوزراء عبد الله خليل (سكرتير حزب الأمة القومي) بتسليم السلطة للفريق إبراهيم عبود نتيجة خلافات سياسية محتدمة داخل الحكومة والبرلمان، ورغم أن بعض الأطراف اعتبرته تسليماً للسلطة وليس انقلاباً، إلا أن نتائج الخطوة جاءت كاستيلاء عسكري كامل أنهى الديمقراطية الأولى وحل البرلمان والأحزاب، وفي 25 مايو 1969م نفّذ العقيد جعفر نميري انقلاباً عسكرياً بالتنسيق مع الحزب الشيوعي السوداني، قبل أن ينقلب نميري على حلفائه لاحقاً ويؤسس الاتحاد الاشتراكي ليكون ذراعاً سياسياً لنظام مايو، وأما في 30 يونيو 1989م فقد جاء الانقلاب العسكري للعميد عمر البشير بدعم مباشر من الجبهة الإسلامية القومية بقيادة حسن الترابي، التي تحوّلت لاحقاً إلى المؤتمر الوطني، لتصبح الجناح السياسي لنظام “الإنقاذ” قبل حدوث عملية المفاصلة الشهيرة في العام 1999م، وتؤكد هذه المحطات التاريخية أن التداخل بين القوى السياسية والمؤسسة العسكرية كان سمة مشتركة في كل الانقلابات، وأن القوى المدنية هي التي تلجأ إلى الجيش لحسم صراعاتها الداخلية أو الانتقال إلى السلطة.
خطاب لتبرير الحرب:
ومع اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023م والتي أشعلت ثقابها ميليشيا الدعم السريع مسنودة بمحاور إقليمية ودولية، تصاعدت حدة الاتهامات بتبعية القوات المسلحة للحركة الإسلامية أو خضوعها لحركة الإخوان المسلمين، وهي أسطوانة مشروخة ظلت تتبناها ميليشيا الدعم السريع وجناحها السياسي (قحت – تقدم – تأسيس – صمود)، فجعلوا من هذه الاتهامات محوراً مركزياً في خطابهم الإعلامي والسياسي لتبرير الحرب وطلب الدعم الخارجي، وبدورها أبدت الإمارات مواقف متكررة تشدد على ضرورة إخراج الإسلاميين من الجيش، بحسب ما تتداوله منصات رسمية وغير رسمية إقليمية، وبلسان الأمارات تحدث مستشار الرئيس الأمريكي للشرق الأوسط وأفريقيا مسعد بولس الذي دعا بوضوح إلى تفكيك الجيش السوداني وطرد الإسلاميين منه، في موقف أثار جدلاً واسعاً حول نوايا واشنطن تجاه المؤسسة العسكرية السودانية، وتتقاطع هذه المواقف مع ضغوط سياسية وإعلامية تسعى إلى تصوير الجيش كذراع أيديولوجي لحزب سياسي، في محاولة لإضعاف شرعيته وتهيئة المناخ لتغيير بنيته أو استبداله بقوات أخرى.
حديث مبالغ فيه:
” ادعاءات كاذبة ومضللة” هكذا قطع الخبير العسكري والاستراتيجي الفريق شرطة دكتور جلال تاور قول كل خطيب، قاطعاً بعدم صحة الاتهامات المتداولة بشأن تبعية الجيش للحركة الإسلامية أو لأي حزب سياسي، وقال الفريق تاور في إفادته للكرامة، إن الجيش السوداني مؤسسة وطنية تأسست في العام 1925م، أي قبل ظهور الحركات الإسلامية والأحزاب العقائدية بسنوات طويلة، وإن تاريخه الممتد ومشاركاته الإقليمية والدولية تؤكد استقلاليته ومهنيته، مبيناً أن الأحزاب السياسية هي التي ظلت تتقرب إلى الجيش لاستغلال قوته ليوصلها إلى كراسي السلطة، ثم لا تلبث وتنقلب عليه، مستشهداً بانقلابات الجنرالات (عبود ونميري والبشير)، منوهاً إلى أن الحديث عن (تغلغل الإسلاميين داخل الجيش) مبالغ فيه وغير صحيح، لافتاً إلى أن لجنة إزالة التمكين برئاسة الفريق أول ياسر العطا راجعت آلاف الضباط ولم تجد سوى “مئة وشوية” ينتمون إلى الحركة الإسلامية تمت معالجة أوضاعهم، إلى جانب استبعاد خلايا حزبية أخرى من المؤسسة، مؤكداً أن عدداً من الضباط المفصولين تم استيعابهم لاحقاً في الدعم السريع بواسطة قائدها محمد حمدان دقلو، وأبان الفريق تاور أن الحملات المستعرة ضد الجيش تهدف إلى تفكيكه لصالح مشروع خارجي يريد استبداله بقوات الدعم السريع، محذراً من مخطط قد يقود السودان إلى نموذج شبيه بليبيا أو الصومال.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. فإن المعطيات المتداولة تُظهر أن الاتهامات المتكررة حول “أدلجة الجيش السوداني” أو تبعيته للحركة الإسلامية والإخوان المسلمين ليست سوى حملة هدفها الأساسي تشويه صورة القوات المسلحة وإضعاف الثقة الشعبية بها، تمهيداً لصياغة مبرر سياسي ودولي يتيح تفكيك المؤسسة العسكرية التي تُعد آخر أعمدة الدولة السودانية وصمام أمانها التاريخي، وتتسق هذه الاتهامات مع محاولات ممنهجة لخلق انطباع بأن الجيش يعمل كذراع أيديولوجية، بينما الوقائع التاريخية والسياسية إلى جانب البيانات الموثقة تؤكد أن المؤسسة العسكرية كانت دوماً محط استقطاب من القوى السياسية، وليست تابعة لأي حزب غير أن هذه الصورة المشوهة تُستغل اليوم لدفع مشروع يستهدف إضعاف الجيش أو استبداله، بما يفتح الباب واسعاً أمام سيناريوهات مشابهة لما جرى في تجربة بغداد عندما تم تفكيك الجيش، فانهارت الدولة العراقية، واندفعت نحو الفوضى والتدخلات الخارجية.
