خبر وتحليل | عمار العركي : *أماني الطويل : خلل التحليل وخطل التبرير*
خبر وتحليل | عمار العركي :
*أماني الطويل : خلل التحليل وخطل التبرير*

أثارت تصريحات الدكتورة أماني الطويل، مديرة البرنامج الأفريقي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، جدلًا واسعًا في الأوساط السودانية والمصرية، عقب حديثها وتعليقها على الإجراءات الهجرية والتنظيمية التي تقوم بها الحكومة المصرية تجاه الوجود السوداني المخالف وغير الشرعي. وقد قوبلت توصيفات واستنتاجات خطابها برفض رسمي وشعبي واسع في كلا البلدين.
لم يكن هذا الرفض انفعاليًا أو عاطفيًا، بل رفضًا سياسيًا ومهنيًا، لأنه تناول الفكرة بطريقة تُصور الحكومة السودانية وكأنها تضايق مواطنيها اللاجئين إلى مصر، وتصوّر الحكومة المصرية وكأنها تراعي طلبات الحكومة السودانية على حساب حقوق اللاجئين الإنسانية.
إزاء هذا الرفض، لم تتوقف د. أماني عند حدود الرأي الأول، بل انتقلت إلى محاولات تفسير وتبرير لاحقة، حملت أطروحات أخطر من الرأي المرفوض، لأنها سعت إلى احتواء استنتاجها بدل مراجعته، والدفاع عن الفكرة عبر توسيع إطارها التحليلي لا عبر تصحيحها.
المشكلة في الطرح لا تكمن في اختلاف الرأي السياسي فحسب، فالاختلاف والتحليل النقدي أمر مشروع، بل مطلوب. الإشكال الحقيقي يتمثل في منهج التحليل نفسه، والنتائج التي يقود إليها، وأثره السياسي والاجتماعي غير المقصود، وربما المقصود.
أول أوجه الخلل يتمثل في القفز فوق طبيعة الحرب في السودان، التي ليست نزاعًا سياسيًا تقليديًا، بل تمردًا مسلحًا تقوده مليشيا ارتكبت جرائم ضد المدنيين والدولة، وتحظى بدعم خارجي معلوم. أي تحليل يخفف من هذه الحقيقة أو يربط الأزمة فقط بالسياسات الهجرية، يقع تلقائيًا في فخ خلل المنهج، أي ما نسميه هنا: خَطَل التحليل.
ثانيًا، الانتقال من التحليل إلى التبرير العام يمثل أخطر ما في الخطاب. حين تُطرح افتراضات غير مضبوطة في فضاء عام مشحون، لا تُقرأ كتحليل أكاديمي، بل تتحول سريعًا إلى مسوغات لإجراءات عملية، تُستخدم لتفسير قرارات سياسية أو أمنية، ما قد يضر بمصداقية التحليل ذاته ويضاعف معاناة المواطنين.
ثالثًا، محاولة احتواء الرفض بدل مراجعته، عمّقت الأزمة بدل حلها. الاعتراض لم يكن سوء فهم، بل رفضًا واعيًا لمخرجات التحليل، وهو ما كان يستدعي وقفة نقدية ذاتية ومسؤولة، لا توسيع دائرة التبرير.
التحليل المسؤول في زمن الحرب يقاس بأثره على الواقع لا بمقاصد صاحبه، والتحليل الذي يغفل هذا المبدأ يتحول من أداة فهم إلى عنصر إرباك.
*خلاصـة القـول ومنتهـاه*
القضية ليست في حق مصر أو غيرها في إدارة ملف اللاجئين، بل في مسؤولية الخطاب التحليلي.
الكلمة، حين تصدر من باحث مؤثر، لا تبقى مجرد رأي، بل تتحول إلى مرجعية سياسية وأخلاقية، وقد تصبح أداة تبرير لسياسات قاسية.
الفرق بين التحليل والتبرير يكمن في دعم الدولة، أو في إطالة معاناة شعب عزلته الحرب وأفقدته وطنه مؤقتًا. وفي نهاية المطاف، يبقى السودانيون اللاجئون في مصر ممتنين لحكومة وشعب مصر، ويحتاجون فقط إلى تحليل مسؤول، متزن، وآمن الأثر، لا تأويلات عاطفية.
