منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

بروف كمال جاه الله يكتب :  *أهم مظاهر مسار العلاقات التركية الإفريقية: من إعلان عام إفريقيا (2005) إلى قمة الربح المشترك (2021)* 

0

بروف كمال جاه الله يكتب :

 

*أهم مظاهر مسار العلاقات التركية الإفريقية: من إعلان عام إفريقيا (2005) إلى قمة الربح المشترك (2021)*

جاه

*الأستاذ الدكتور/ كمال محمد جاه الله الخضر
أكاديمي سوداني*

 

قبل إطلالة الألفية الميلادية الثالثة لم تكن تدور في المخيلة التركية رغبةٌ في التوجه المعتبر لإفريقيا؛ ولكن تفاعلات البيئة الداخلية والخارجية بعد تمنّع وتماطل الغرب، لا سيما في الشقّ الأوروبيّ منه- في وضع العقبات والكوابح التي تحول دون انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، والالتحاق بالتحالفات التي يضمّها بين جناحيه، إضافة إلى انبراء الغرب في الحيلولة دون تحوّل تركيا إلى لاعب دولي، يمتلك ما يؤهله ليصبح دولة عظمى سياسيا واقتصاديا وعسكريا. كلّ ذلك شجّع تركيا على البحث عن مناطق نفوذ جديدة، تعزز مكانتها الإقليمية والدولية، وتتبادل معها المنافع المشتركة؛ فكانت قارة إفريقيا الخيار البديل لتوجه تركيا نحو الغرب.
أول ما بدأت به تركيا في تدشين توجهها الجديد نحو إفريقيا، هو إعلان عام 2005 عاما لإفريقيا، على الرغم من أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بدأ زياراته لبعض أقطار إفريقيا قبل ذلك الإعلان بعامين (2003)، وقد كان هدفه، على ما يبدو، البدايةَ بتنفيذ خطة واسعة لتعزيز العلاقة بين تركيا وإفريقيا بأقطارها المختلفة. وأغلب الظن أن تلك الزيارات مثلت القاعدة الصلبة، التي ارتكز عليها إعلان عام 2005 عاما، تتوجه فيه تركيا بكلياتها نحو إفريقيا.
ولإثبات تركيا جدّيتها في مسار التوجه إلى إفريقيا، سعت لتكون شريكا إستراتيجيا للاتحاد الإفريقي، لتصبح تلك الشراكة الإستراتيجية مدخلا ومظلة للعمل بالقوة الناعمة. وقد تحقق لها ذلك في عام 2008. ولم تكتف تركيا بذلك، إذ في العام نفسه عقدت أول قمة تركية إفريقية في إسطنبول، وأردفتها بقمة أخرى في عام 2014، في مالابو (عاصمة غينيا الإستوائية). وبعد ذلك بسبع سنوات أي في العام (2021)- عقدت قمتها الثالثة في إسطنبول مرة أخرى، تحت شعار: “تعزيز الشراكة من أجل التنمية والازدهار المشترك”. وقد شارك فيها، وفقا لتقارير إعلامية تركية رسمية، 16 زعيما إفريقيا، و102 من الوزراء، بينهم 26 وزير خارجية. وقد اعتمدت هذه القمة خطة تتضمن خطوات ملموسة تحت 5 بنود، في مجالات التنمية والتجارة والصناعة والتعليم والمعلوماتية والمرأة والشباب والبنية التحتية والزارعة والصحة. علاوة على تأكيد بيانها الختامي على “الاتفاق على خريطة طريق تعزز العلاقات التركية الإفريقية”.
ويبدو أن الحكومة التركية ترى في إقامة القمم المشتركة مع الدول الإفريقية- واجهة مهمة، للقاءات تنجلي عنها المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية، وجها لوجه، إضافة إلى ما لهذه القمم من حظوة في التغطية الإعلامية المتميزة، التي من شأنها أن تعكس أهمية المناسبة، ومن ثم إبراز الأدوار التي تقوم به تركيا في الفضاء الإفريقي، ومدى استفادة الفضاء الإفريقي مما تقدمه تركيا في المجالات المختلفة.
المهم أنه ما بين عام 2005 عام التوجه نحو إفريقيا، وعام انعقاد آخر قمة تركية إفريقية مشتركة(2021)- شهد مسارُ العلاقات التركية الإفريقية جملةً من المحطات الرئيسية على مستوى مجالات التعاون المختلفة، لا سيما الاستثمارية والعسكرية، حيث حاولت تركيا من خلال هذه الفترة تحويل طبيعة ذلك التعاون إلى ربح مشترك بين الطرفين. وكل ذلك من شأنه أن يعزز الوجدود التركي في القارة الإفريقية، ذات الأسواق الواعدة، وذات الموارد الطبيعية غير المستغلة، التي تتنافس القوى الدولية من أجل إيجاد مواقع متقدمة في بلدانها.
يمكن القول إن هناك مظاهر عديدة تميّز مسار العلاقات التركية الإفريقية في فترة ما بعد الانفتاح التركي على الأقطار الإفريقية. وهي مظاهر تعكس من جانب تطوّر تلك العلاقات، وقوتها. ومن جانب آخر تشير إلى الرغبة الإفريقية المتعطشة للاستفادة مما تطرحه تركيا في مجالات الاستثمار المتعددة، وفي مجال التجارة، وفي المجالات العسكرية (التي تشمل مجال شراء الأسلحة وتحديث الجيوش)؛ غير أن الاقتصاد بمضماره الواسع، يحظى بنصيب الأسد من مفاصل تلك العلاقات.
مهما يكن أمر تلك المظاهر، فإن موضوع الدبلوماسية يظل شاهدا على النمو والتطور المتسارعين في مسار العلاقات التركية الإفريقية في فترة ما بعد التوجه التركي إلى إفريقيا، ففي هذه الفترة، وفقا لوكالة أنباء تركيا، أن وزارة الخارجية التركية، أفادت أن عدد السفارات التركية في القارة الإفريقية ارتفع من 12 سفارة عام 2002، إلى 43 سفارة اليوم (2021). في حين بيّنت أن عدد سفارات الدول الإفريقية في تركيا ارتفع من 10 عام 2008، إلى 37 سفارة عام2021.
ولا شك أن هذه النقلة الدبلوماسية من حيث تزايد الأعداد في السفارات المتبادلة، بين تركيا، ودول إفريقيا المختلفة، إضافة إلى أنها مظهر من مظاهر التأكيد على الانحياز إلى القوة الناعمة- من شأنه أن يرسي قواعد تنفذ مصالح الطرفين، ويسهل عملية تبادل المنافع بينهما، فالعمل الدبلوماسي، كقوة ناعمة، مهم في حضور توقيع الاتفاقيات المشتركة، وفي متابعتها، حتى تحقيق المنفعة.
وعن العلاقات الاقتصادية بين تركيا وإفريقيا، أفادت البيانات التركية الرسمية أن حجم التبادل التجاري مع القارة الإفريقية ارتفع من 5.4 مليار دولار أمريكي عام 2003، إلى 25.3 مليار دولار عام 2020. وأن تركيا واثقة أنها سترتقي بحجم تبادلها التجاري إلى 50 مليار دولار أولاً، ثم إلى 75 مليار دولار عبر جهودها المشتركة. مع الوضع في الاعتبار، وفقا لأحد المحللين، أن القارة لديها حجم تجارة يبلغ 190 مليار دولار مع الصين، و50 مليار دولار مع ألمانيا، وأن الطريق ما زال طويلا لتقطعه تركيا في الشراكة مع دول القارة، والأمر يحتاج إلى استثمارات شاملة جديدة. وفي ظننا أن تركيا في نهاية الأمر- تقدمت خطوة، ستتبعها بخطوات، حتى تتقدم كثيرا في هذا المجال الجوهري.
كما أشارت البيانات التركية الرسمية إلى أن القيمة الإجمالية للاستثمارات التركية المباشرة في إفريقيا تجاوزت 6 مليار دولار. كما بيّنت أن عدد المشاريع التي تولّاها مقاولون أتراك في إفريقيا بلغ ألف و686 مشروعاً، بقيمة إجمالية بلغت 78 مليار دولار. وفي رأينا، ليس بالضرورة أن تكون تلك المشاريع مملوكة للقطاع العام التركي، إذ للقطاع الخاص التركي دوره المتعاظم في تقوية العلاقات التركية الإفريقية، جنبا إلى جنب مع القطاع العام.
هذا من جانب، ومن جانب آخر عدّدت البيانات الرسمية التركية الاتفاقيات سارية المفعول مع الدول الإفريقية لتعزيز التعاون الاقتصادي، وهي: اتفاقية تعاون تجاري واقتصادي موقّعة مع 48 دولة. واتفاقية التشجيع والحماية المتبادلة للاستثمارات موقّعة مع 32 دولة. واتفاقية تجنّب الازدواج الضريبي موقّعة مع 16 دولة. ولا شك أن تلك الاتفاقيات لن تحقق أهدافها في تعزيز التعاون الاقتصادي بين تركيا وبلدان إفريقيا، ما لم تكن البيئة الإفريقية قادرة على استيعاب تلك الاتفاقيات، وترجمتها إلى واقع يخدم الإنسان الإفريقي، الذي هو هدف التنمية في الأساس.
هذا بجانب أن تركيا تتابع عن كثب اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، الّتي دخلت حيّز التنفيذ في 1 يناير/ كانون الثاني 2021، وقد قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن ذلك، وفقا لتقرير ورد في صحيفة “القدس العربي” (اللندنية): “نسعى جاهدين للربح والتطوّر والتنمية معاً (مع إفريقيا)، والسير يداً بيد نحو المستقبل، وحالياً نجهز مسودات اتفاقيات مع دول إفريقيا لفتح آفاق جديدة من العلاقات.
وأورد تقرير “القدس العربي” نفسه- أن تركيا عملت على إنشاء عدد كبير من لجان الشراكة الاقتصادية مع إفريقيا، أبرزها: مجالس عمل مستقلة مع 35 دولة إفريقية، ومنتدى الاقتصاد والأعمال بين تركيا وإفريقيا، واجتماعات لوزراء الزراعة والصحة وغيرها، ومؤتمر وزاري تركي إفريقي، إلى جانب “قمة الشراكة التركية الإفريقية”.
أما في ما يخص الجانب العسكري والأمني والدفاعي، وهو أحد أهم ما يشغل البلدان الإفريقية في العقود الأخيرة، حيث تعيش تلك البلدان صراعا مع معارضيها، وحربا مع انفصالييها، وتوترا مستمرا مع ما يسمى بـ”الجهاديين”- فإن حاجة تلك البلدان إلى الأسلحة التركية أشدّ، لذلك لا ينبغي الاستغراب بأن تصبح العديد من بلدان إفريقيا أسواقا، تستقبل الآلة العسكرية التركية، بمختلف أنواعها. وتجدر الإشارة إلى أن الجانب العسكري لا ينحصر في بيع الأسلحة فقط، إذ قد يشمل بناء القواعد العسكرية، وتحديث الجيوش، وما شابه ذلك.
وفي هذا السياق، أوردت صحيفة “الشرق الأوسط” تقريرا مفصلا، يشير إلى الحضور العسكري والدفاعي التركي في إفريقيا. وقد ورد ضمن هذا التقرير أن مجلة “كابيتال” الاقتصادية الفرنسية الشهرية كتبتْ ما مفاده- أن تركيا زادت من نفوذها في إفريقيا في ظل حكم أردوغان، وأنها تبيع طائراتها المسيّرة المسلحة كـ”الخبز الطازج”، في إشارة إلى تزايد الطلب على المسيّرات التركية. وأكدت المجلة أن تركيا ترغب في التطور بقطاع الدفاع في إفريقيا عقب التقدم في مجالي التعاون، والتجارة. وأنها تثق بمسيّراتها المسلحة بهذا الخصوص. ولفتتْ إلى وجود قاعدة عسكرية تركية في الصومال، وإلى أن المغرب وتونس تسلما أولى المسيرات التركية في سبتمبر (2021)، وأن أنغولا أبدت اهتمامها بالمسرات المسلحة التركية خلال زيارة الرئيس أردوغان في أكتوبر (2021). وأكدت توقيع اتفاقية عسكرية مع إثيوبيا.
وأشارت المجلة الفرنسية، وفقا لـ “الشرق الأوسط” أيضا، إلى أن جهود تركيا لتطوير التعاون مع إفريقيا في قطاع الدفاع لا تقتصر على بيع الأسلحة أو الذخيرة العسكرية أو المركبات، وأن الحيش في توغو تمّ تحديثه بدعم تركي، وأن تركيا وفرت تأهيلا عسكريا وذخائر وعربات إزالة ألغام، كما عززت تركيا نفوذها تدريجيا في إفريقيا من خلال 37 مكتبا عسكريا.
وفي السياق ذاته- أشارت “القدس العربي” في تقريرها إلى أنه على الرغم من أن الكثير من الاتفاقيات الدفاعية وعقود بيع الأسلحة، تبقى طي الكتمان، ولا يعلن عنها بشكل رسمي، إلا إنه من المؤكد أن المغرب وإثيوبيا وتونس حصلت حديثاً على أسلحة تركية مختلفة، منها طائرات مسيّرة. كما تعتبر تركيا المورد الرئيسي للأسلحة للجيش الصومالي، وقوات حكومة الوفاق في ليبيا، كما صدّرت مئات العربات المدرعة إلى دول إفريقية مختلفة، آخرها كينيا التي وقعت على شراء 120 مدرعة تركية من طراز “خضر”.
وبعيدا عن الجوانب الاقتصادية والتجارية والاستثمارية والعسكرية، تحدثنا كثير من التقارير الإعلامية عن وجود تركي بارز في بلدان إفريقيا، يغطي مجالات مختلفة، منها: التعليم والتنمية والثقافة …إلخ. وأن العديد من المؤسسات والمنظمات التركية، تقوم بدور جوهريّ في تطوير العلاقات مع البلدان الإفريقية، عبر مساهمات تقدّمها للمؤسسات الحكومية، ومنظمات المجتمع المدني. وتتصدر الوكالة التركية للتعاون والتنسيق “تيكا”، ومعهد يونس إمره، ووقف المعارف التابع لوزارة التربية، أبرز المؤسسات الحكومية التركية، التي تنشط بمشاريع تنموية في القارة السمراء، حيث تعرف عن هذه المؤسسات أنها القوة الناعمة للسياسات الخارجية التركية.
وتحدثنا تقارير إعلامية، أيضا، عن أن وجهات طيران الخطوط الجوية التركية، قد زادت لتشمل 61 نقطة في دول القارة الإفريقية، وبلغ عدد مكاتب وكالة التعاون والتنسيق التركية “تيكا” 22 مكتبا، كما أن مؤسسة المعارف الوقفية التركية، تلعب دورا مهما في دعم جهود المساعدات الإنسانية في القارة، وتمتلك 175 مؤسسة تعليمية في 26 دولة إفريقية، وتقدم رئاسة أتراك المهجر ومجتمعات ذوي القربى التركية “YTB” دعما لأكثر من 5 آلاف طالب إفريقي في التعليم العالي. هذا بالإضافة إلى أن عدد الطلاب الأفارقة المستفيدين من المنح الدراسية في تركيا تجاوز 14 ألفاً.
الحق أن ما تمت الإشارة إليه في الجوانب غير الاقتصادية والتجارية والاستثمارية والعسكرية، في مسار العلاقات التركية الإفريقية، من شأنه أن يحدث منافع مباشرة لمجتمعات البلدان الإفريقية، ومن ثم يتحقق واحد من أهم أهداف التوجه التركي نحو إفريقيا، وهو ترقية وتطوير الإنسان الإفريقي، والسير به يدا بيد نحو المستقبل، وفتح آفاق جديدة له.
يبقى القول إن البيئة الإفريقية من المتوقع أن تكون داعمة متقبلة للقادم التركي، أيا كان هدفه ومقصده، فقد أثبت تجربة العقد ونصف العقد ويزيد من عمر التوجه التركي المعتبر نحو إفريقيا- أن تركيا قدمت إلى الفضاء الإفريقي، وهي تحمل لواء “الربح المشترك” و”تبادل المنافع”، بخلاف القوى الدولية الأخرى، التي تريد أن تربح وحدها. إضافة إلى ذلك يبدو أن تركيا قد قرأت المشهد الإفريقي (ماضيه وحاضره ومستقبله) على كافة الأصعدة: السياسية والاقتصادية والعسكرية، فتعاملت معه عن علم ومعرفة، وهذا وحده كفيل بجعل المستقبل لعلاقات تركية إفريقية متنامية في المستقبل.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.