البروفسور كمال جاه الله يكتب : *الدلنج… القبيلة… المدينة.. الجبال الثلاثة*
البروفسور كمال جاه الله يكتب :
*الدلنج… القبيلة… المدينة.. الجبال الثلاثة*

*مدينة الدلنج: النشأة والتطور والتركيبة السكانية*
(فصلة من كتاب لنا عن جبال النوبا، صدر عام 2005)
الأستاذ الدكتور/ كمال محمد جاه الله الخضر
أكاديمي سوداني*
مدينة الدلنج.. إحدى مدن السودان، التي تشرفت بدراستها عام 2004
مقدمة:
تقع مدينة الدلنج فيما يسمى حالياً بولاية جنوب كردفان، وهي المدينة المحورية الثانية بعد عاصمة الولاية كادقلي. ولم ترتبط نشأة هذه المدينة بحاكم أو ملك أو رجل، كعادة كثير من مدن السودان. وإنما ارتبطت نشأتها بقبيلة الدلنج، التي كانت تسكن الجبال الثلاثة الموجودة حالياً بالمدينة.
لا أحد يعرف متى قدمت قبيلة الدلنج إلى هذه المنطقة واستقرت بها، ولا توجد معلومات تاريخية حول هذا الأمر، غير تلك النظريات التي قدمت حول هجرة النوبا إلى هذه المنطقة.
كلمة الدلنج فيما يبدو أنها كلمة عربية سودانية (دارجة)- تحرفت عن الدّلَجه (المفرد) أو الدّلج (الجمع)، إذ في الموروث الشعبي لهذه القبيلة أنه عندما سكنت قبيلة الدلنج، وهي في لغة الأجانق، التي تنتمي إليها هذه القبيلة تسمى “واركو” Warkuجبالها قدم إلى سفوح هذه الجبال والسهول القريبة منها عرب البقارة (الحوازمة). وبمرور الوقت تشكلت صداقة وحلف بين المجموعتين. وكان البقاري إذا أراد أن يزور صديقه الدلنجاوي يقول: “أنا ماشي لأخوي في الدلج أو في الدلجة الفوق”، وبمرور الوقت تحولت إلى الدلنج.
يبدو أن مدينة الدلنج الحالية أخذت الطابع المدني كواحدة من المدن في جبال النوبا، التي طورتها الإدارة البريطانية المستعمرة في الربع الأول من القرن الماضي، بعد أن تم تقسيم كردفان (وضمنها جبال النوبا) إلى مجالس وإدارات. وحتى وقت الاستقلال كان هناك فرق بين قرية الدلنج ومدينة الدلنج، ويفهم ذلك مما أورده ستيفنسون حيث يقول: (قرية الدلنج هي مجموعة من القرى الصغيرة (أو التجمعات الصغيرة) القريبة جداً من جبال صخرية قليلة، والتي ترتفع في الأرض المنبسطة من الشمال الغربي لجبال النوبا، على بعد 60 ميلاً غرب دلامي بالكواليب. وبالقرب منها نسبياً يوجد الموقع الحديث لمدينة الدلنج بمكاتبها الحكومية، ونقاط البوليس ومباني الجيش والسوق، ومحالج القطن، وكل ما يؤهلها كمدينة ريفية بالمنطقة. حتى عدد السكان لعام 1955- 1956 أفرد لكل واحدة منهما نصيبها، ففي قرية الدلنج كان تعداد السكان 295ر5، وكان فـي مدينة الدلنج 596ر5. فهما متوازنتان سكانياً.
يعتبر عام 1985م عاماً فاصلاً في تاريخ مدينة الدلنج الحالية، إذ شهد هذا العام تمرد النوبا وتأثرت الدلنج كغيرها من مدن جبال النوبا بتدفق النازحين عليها. فبعد أن كانت تنمو نمواً طبيعياً كحاضرة للمنطقة، شهدت في العقدين الأخيرين تمدداً واسعاً؛ فأصبحت أطراف المدينة تستقبل النازحين الفارين من المناطق المتأثرة بالحرب بصورة شبه يومية؛ مما أثر على الخدمات المحدودة، التي كانت تقدم لأحياء المدينة القديمة.
وإذا كانت مدينة الدلنج لم تشهد حرباً بداخل أحيائها- فإن مناطق الاحتكاك بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان قطاع جبال النوبا قريبة من المدينة، فمنطقة “الكوك” تعد أقرب مناطق الحركة من الدلنج، إذ تبعد 15 كيلو، وهي تتبع لمحلية سلارا، وتقع جنوب غرب الدلنج، وتضم الكوك جزءاً من النيمانق وآخر من والي. كما أن رئاسة جيش الحركة تتخذ موقعاً في محلية سلارا بجلد (جنوب شرق الدلنج)، وتبعد مسافة 60 كيلو عن الدلنج، وبها نائب عبد العزيز الحلو قائد قطاع جبال النوبا بالحركة.
لهذا فليس بمستبعد أن تصبح مدينة الدلنج واحدة من مدن جبال النوبا، التي يقع عليها عبء كبير في إيواء النازحين، وقد كان، إذ استقبلت في العقدين الأخيرين (1985- 2005)- عدداً معتبراً منهم، ممن كانوا في المناطق التي دارت فيها المعارك، مثل: النيمانق وكاركو ووالي وكتلا وغيرهم.
ليس بين أيدينا معطيات تنقل لنا كيفية تطور مدينة الدلنج عبر عقود من السنين، حتى صارت في صورتها الحالية، غير إفادات كبار السن الذين نشأوا فيها، وغير الشباب الذين كان لهم اهتمام بنشأة هذه المدينة وتطورها؛ ممن التقوا بكبار السن، وتعرفوا على مراحل تطور هذه المدينة.
انطلاقاً مما ذكره لنا عددٌ، ممن سألناهم عن تطور هذه المدينة- يمكننا أن نخلص إلى تصور عام يعكس لنا ماضي هذه المدينة وحاضرها، وهو تصور تخميني، يمكن عبره تخيل صورة تقريبية للمراحل، التي مرت بها هذه المدينة حتى صارت مدينة كبيرة، تتكون من خمسة عشر حياً كبيراً.
نشأت مدينة الدلنج أول ما نشأت قرب قرية أو تجمعات لقبيلة الدلنج بالجبال الثلاثة الموجودة بالمدينة الحالية. بعد ردح من الزمن وصل إلى المنطقة عرب بالبقارة (الحوازمة) وسكنوا بالسهول الفسيحة التي حول الجبال. وبعد مجئ الاستعمار البريطاني أنشأ في إطار تنمية مناطق جبال النوبا مدينة الدلنج، وجعلها حاضرة للجزء الشمالي الغربي للجبال. فأنشأ فيها ما يجعلها مدينة متميزة بالمنطقة، إذ أقام فيها مكاتب حكومية متنوعة، وبنى فيها مباني للجيش، وأنشأ فيها محلجاً للقطن، وجعل لها سوقاً ترتاده المناطق من حولها. وبمرور الزمن قدم إلى المدينة عدد من قبائل النوبا المجاورة والجلابة وقبائل غرب السودان وقبائل غرب ووسط إفريقيا وغيرهم، وأصبحت بذلك المدينة، تحتوي على خليط من البشر من ذوي المرجعيات الإثنية المختلفة. فتمددت المدينة وابتلعت قرية الدلنج والمناطق القريبة منها.
أقدم أحياء المدينة، هي: قعر الحجر والملكية والرديف والمك، فالأول نشأ عندما كان الدلنج يسكنون بالجبال الثلاثة الموجودة بالمدينة ثم نشأ الثاني. أما الثالث وهو الرديف فقد نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، إذ تم توزيعه للعساكر (قوة دفاع السودان)، والذي كان مقراً لعدد من معاصر الزيوت، وتم نقل المعاصر إلى ما يسمى حالياً بحي المعاصر.
وقيل بل الحي الأقدم هو حي الملكية، الذي نشأ بالقرب من جبل الجنديل، الذي يسمى محلياً بـ (أبوزمام)، وهو حي يعتبر نواة للمدينة، ثم تلاه ذلك حي الرديف وحي قعر الحجر وحي المك. ثم بعد ذلك تكونت الأحياء في المدينة، فنشأ حي أقوز في الستينات من القرن الماضي، واسم أقوز مأخوذ من محمد علي أقوز، وهو ضابط مشهور بمجلس مدينة الدلنج، ساهم في توزيع الخطة الإسكانية للحي الذي تسمى به لاحقاً.
أغلب أحياء المدينة الطرفية نشأت بعد عام 1985م، وهو العام الذي التحق به عدد من أبناء النوبا بالحركة الشعبية لتحرير السودان، التي تقاتل الحكومة المركزية في الخرطوم. وقد ترتب على تلك العمليات، التي كانت تدور بين الطرفين نزوح عدد كبير من سكان المناطق ذات الاحتكاك المباشر بالأحداث.
ومن الأحياء التي نشأت بعد عام 1985م حي الطرق وحي المطار وحي كجن كامتداد لحي الحلة الجديدة، وبدأ حي أبوزيد عام 1999م في الظهور.
مهما يكن من أمر- فإن عدد الأحياء المعتمدة من قبل مجلس مدينة الدلنج هو خمسة عشر حياً، يضاف إليها حي جديد يبعد عن المدينة بحوالي ثلاثة كيلو مترات وهو (التكمة). والتكمة هي أحدى القري التي تسكنها قبيلة الدلنج. وبذلك يصبح عدد الأحياء ستة عشر حياً. أما إذا انتقلنا إلى عدد سكان المدينة- فقد أشرنا من قبل إلى أن تعداد سكان السودان لعام 1955م /1956، أورد أن عدد سكان المدينة هو 596ر5 نسمة، وقد زاد هذا العدد وتضاعف في العقود الأخيرة؛ نسبة لما تعرضت له منطقة جبال النوبا من أحداث، بسبب تمرد عدد من أبناء النوبا. واستقبلت المدينة أعداداً كبيرة من النازحين، فمجلس مدينة الدلنج في وثيقة له يوضح لنا عدد الأحياء التي بالمدينة، ويضيف بها ما استجد من أحياء، وقد أقرن ذلك بعدد الأسر والأفراد لكل حي؛ وذلك على النحو التالي:
الحي عدد الأسر عدد الأفراد
1- أقوز غرب 511 3121
2-الطرق 672 3899
3-الحلة الجديدة 1614 10114
4-قعر حجر 432 2627
5- المطار 915 5535
6- حي الملك 774 4203
7- الرديف 915 4706
8- المعاصر 738 2362
9- أقوز شرق 725 4516
10-الملكية 421 2784
11-اللواء 19 198 1274
12-الصفاء 405 2222
13-التومات 811 4880
9131 54243
ثم أضاف لها :
14- أبوزيد 168 1036
15- التكمة 360 2058
16- الموظفين والشرطة – 1494
ويلاحظ أن الوثيقة السابقة تم تحديثها، بإضافة ثلاثة أحياء انضافت فيما بعد لمدينة الدلنج.
وقد وجد الباحث بمحافظة الدلنج تعداداً آخر للمدينة تم عام ( 1997م)، كان منطلقه البطاقة التموينية، يذكرفيه اسم الحي ثم عدد الأفراد الذين يسكنونه؛ وذلك على النحو التالي:
الحي عدد الأفراد
الموظفين 545
الملكية 2195
المطار 5777
الصفا 2065
أقوز شرق 4778
الطرق 3959
المك 4173
الرديف 4771
أقوز غرب 3074
الحلة الجديدة 10150
المعاصر 3567
أبوزيد 1036
قعر الحجر 3139
التومات 4941
الحامية 1208
الجملة 55388
الحق إنه من الصعوبة بمكان أخذ ما تقدمه البطاقة التموينية من تعداد، إلا كمؤشر فقط، إذ البطاقة التموينية لا تصبح ذات فاعلية في مدينة، تستقبل قادمين من النازحين بصورة تكاد تكون يومية. أضف إلى ذلك أن البطاقة التموينية لنا عليها بعض الملاحظات، نجملها في الآتي:
1- لم يسمع بها عدد معتبر ممن يسكنون الأحياء الطرفية الناشئة.
2- عدد من الموظفين والجلابة لم تكن لديهم.
3- عدد معتبر من قبيلة الدلنج كانوا يرفضونها.
والحق أن زيارتنا لمدينة الدلنج في إطار إنجاز هذا البحث، والتي تمت في يوليو 2004م، لتعكس أن ما قدم من تعداد لسكان الدلنج لا يمكن الاطمئنان له، لا سيما وأن المدينة بها أحياء ممتدة، تبعد كثيراً عن مركز المدينة، مثل: حي كجن الحلة الجديدة، وحي التومات، وحي المطار، وأحياء طرفية أخرى مليئة بالنازحين الجدد.
وقد كان ما قدم من تعداد للمدينة مثار مناقشات لنا مع عدد من الأمراء والمكوك وعدد من المثقفين. خلاصة ذلك أن تعداد هذه المدينة الحالى (في عام 2004)- لا يقل بأية حال من الأحوال عن 000ر250 نسمة، ومنهم من أوصل العدد إلى 000ر750 نسمة.
كيفما كان الحال فيمكن الاطمئنان إلى أن تعداد سكان مدينة الدلنج، لا يقل عن 000ر200 نسمة بأية حال من الأحوال. فما الخلفيات الإثنية التي تشكل التركيبة السكانية لمدينة الدلنج؟
التركيبة السكانية لمدينة الدلنج:
تتنوع التركيبة السكانية لمدينة الدلنج وتختلف في خلفياتها الإثنية، ولعل أهم المجموعات التي تقطن هذه المدينة، هي:
أولا: مجموعة الأجانق: تسكن هذه المجموعة في المنطقة الشمالية والشمالية الشرقية والشمالية الغربية من جبال النوبا، وكلمة أجانق Ajang تعني في لغة هذه المجموعة “أحرارا” في مقابل كلمة (دوت) التي تعني (عبدا)، والأجانق كلمة أطلقت على الذين رفضوا اتفاقية البقط الموقعة بين العرب وملك النوبة، والتي ورد ضمن نصوصها أن يمنح ملك النوبا عددا محددا من العبيد للعرب سنويا، وقد تحرك الرافضون عبر مسارات عديدة إلى كردفان وغيرها.
وبذلك تم تفرق هذه المجموعة في مناطق شتى من السودان، ولكن هذا الاسم اشتهرت به المجموعة التي تسكن جبال النوبا، وهي مجموعة كبيرة تضم قبائل كثيرة هــي: ضباب (جبل الداير) ، والجبال الستة (كافير وكرورو وكدرو وكلدجي وكرتاله ودباتنه) ، وهبيلا، وغلفان (واطه وكركندي ونما وكرقل وسقده والمورنق (دكل وكجلا وكابيلا)، ودابري، وكتن، الدلنج، وكدر، وصبي، ومنادل (عدلان وكلا وبادي…) ، وفنده، وكجورية، وكاشا، ووالي، وشفر، وكاشا، وأبوجنوك، وطبق، وكاركو، وحجيرات (بيجا)، وكلها موجودة في محلية الدلنج.
يتكون الأجانق حاليا من 32 مكوكية، توحدت في عام ،1947 وتفرقت في عام 1991، وهناك (خشوم بيوت) في الكواليب وفي كمدة وفي نيمانق يقولون بأنهم أجانق. وأهم المهن التي يمتهنها الأجانق، هي: الزراعة والعسكرية والتمريض، ونسبة التعليم بين مجموعة الأجانق ضعيفة، فأغلبهم فاقد تربوي، ففي جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا التي تحتوي على 20 ألف طالب هناك من 15-20 طالباً فقط من الأجانق. وفي جامعة الدلنج حوالي 50 طالب فقط من الأجانق، وعدد من يحمل درجة الدكتوراه فـــي هذه المجموعة هم خمسة فقط، وفقا للجيلي مكي دلدوم، وكيل جامعة الدلنج في عام 2004.
مهما يكن من أمر- فإن هذه المجموعة تعتقد بوجود روابط مشتركة بينهما، تجمعها في نهاية الهرم وحدة الأجانق، ويحس أفرادها بمختلف قبائلهم بوحدة هذه المجموعة، لاسيما في اللغة والتاريخ والعادات والتقاليد والموروثات وأثناء زيارتنا لمدينة الدلنج حضر الباحث مجمعا لهم بحجر جواد جنوب الدلنج إعدادا لمؤتمر جامع، يخص هذه المجموعة يدعى له الأجانق بمختلف أماكن سكناهم.
ولعل أشهر تقسيم لهذه المجموعة، هو تقسيم ستيفنسون، الذي قسمها إلى ثمانية أقسام على النحو التالي (دون سرد ما ذكر من تفاصيل):
1- الداير (الضباب).
2- الكدرو.
3- الغلفان: غلفان كرقل وغلفان مورنق.
4- الحجيرات.
5- الدلنج.
6- هبيلا.
7- كاركو.
8- والي.
ولعل أهل القبائل التي تتبع لمجموعة الأجانق، ولها حضور مكثف بمدينة الدلنج، هي:
الدلنج، وذلك بحكم أن المدينة تقع في المنطقة التي ارتبطت بها تاريخيا، كما يسكنون بقرية التكمة، التي ضمت مؤخرا إلى مدينة الدلنج، كما يسكنون أيضا قرية كركراية، التي تبعد عن الدلنج بـ 16 كيلومترا. وقبيلة الدلنج مقارنة بقبائل نوبا الجبال عموما تعد من صغريات مجموعات قبائل النوبا. وهذا العدد القليل يمكن ملاحظته الآن وقد رد إلى جملة أسباب، منها:
1- أنهم نزحوا إلى هذه المنطقة حسب الرواية الشفاهية، التي يرويها الأجداد، وهم 15 رجلا إثر خلاف مع آخرين في منطقة دنقلا، وفقدوا إثر ذلك جل عددهم.
2- نسلهم ضعيف بسبب تزاوجهم من بعضهم البعض، كما أن إصرارهم على التزاوج فيما بينهم قلل خصوبتهم، هذا بالإضافة إلى أنهم بعكس القبائل النوباوية الأخرى لا يتزوج الرجل منهم بأكثر من امرأة.
3- أكثرهم هاجر إلى شمال السودان، فسكنوا في الحاج يوسف وبري والدروشاب والفتيحاب، ويمكن القول إن ثلاثة أرباع الدلنج هجروا المدينة.
يتمركز ثقل قبيلة الدلنج في المدينة في الجهات الشمالية ووسط المدينة تحديدا، وحي المك وحي بيلا.
ومن مجموعة الأجانق، التي تشكل حضورا معتبرا في مدينة الدلنج بعد قبيلة الدلنج- الغلفان، والغلفان ينقسمون إلى قسمين رئيسين، هما:
أ – غلفان الكرقل: ويقطنون شرق طريق الدلنج- كادقلي، جنوب الدلنج في قرى نما وكتانق وتردا وجغيبه ودسول وواطه ودابري.
ب – غلفان مورنق: ويقطنون غرب طريق الدلنج كادقلي جنوب الدلنج، وشمال جبال تيمين، ويقطنون في قرى ترون وشلما وكابيلا.
وقد كانت قبيلة الغلفان بعددها المؤثر في المدينة من آخر القبائل، التي وفدت إلى المدينة، وهي من إحدى القبائل التي تأثرت منطقتها جنوب الدلنج بالحرب، ويذكر أن القدوم الكثيف من أفراد هذه القبيلة- قد قدم في التسعينات من القرن الماضي، كنازحين متأثرين باشتداد المعارك بين الحركة الشعبية لتحرير السودان– قطاع جبال النوبا والجيش السوداني. وقد سكنت الغالبية العظمي منهم حـي التومات، وحي الحلة الجديدة .
ومن المجموعات التابعة لمجموعة الأجانق، وهي حديثة عهد بمدينة الدلنج، وتعد من أخريات المجموعات الوافدة: الكاركو وكجورية ووالي، وكلها قادمة من الجبال الغربية، وقد استوعبها حي بيلا وحي الطرق.
ثانيا: مجموعة النيمانق (الأما):
تتكون هذه المجموعة من القبائل التالية :
1- النتل.
2- الككرا.
3- الفوس.
4- حجر سلطان.
5- سلارا.
6- كرمتي
7- كلارا.
8- تندية (أورنقي، أفونج، نقطة، كشل)، وهي أكثر هذه المجموعات عددا.
وتعد مدينة الدلنج بالنسبة للنيمانق الحاضرة، التي يقدمون إليها بغرض التسوق كل خميس واثنين وغير ذلك، وارتباطهم بها قديم نسبة لقربها من جبالهم، وقدومهم إليها كان طبيعيا قبل نشوب الحروب التي شهدتها المنطقة، أما المستقرون منهم قديما- فيمكن تقسيمهم إلى:
أ- طبقة العساكر القدامي في البوليس والجيش، وقد استوطنوا بحي قعر الحجر.
ب- طبقة المعلمين بعد عام 1952، وهؤلاء قصدوا المدينة كقيمة مدنية وحضارية. والمجموعة (أ) و (ب)- تمثل النيمانق الذي استوطنوا بمدنية الدلنج أولا، ولم يكن عددهم كبيرا. أما القدوم الكثيف للنيمانق فقد كان عام 1985، وما يليها بعد أحداث تمرد النوبا وقد قصدوا المدينة نسبة لقربها من جبالهم.
يسكن النيمانق بمختلف قبائلهم بصورة مكثفة في حي الحلة الجديدة وامتداده حي كجن وحي الرديف وحي الصفا.
ثالثا: مجموعة الحوازمة:
لهذه المجموعة حضور كبير في مدينة الدلنج، كما هو الحال في مناطق جبال النوبا المحتلفة.
إن أقسام (خشوم بيوت) الحوازمة الموجودة في مدينة الدلنج، هي:
أ –دار بخوته: وتسكن في حي المطار، وحي أقوز.
ب – دار نعيلة: وتسكن في حي المطار، وحي أبوزيد. والأخير حي كامل لهم، بالإضافة إلى حي المعاصر، الذي يساكنهم فيه الكواليب
ج – دار شلنقو: وتسكن في حي المطار.
د- أولاد غبوش: وتسكن حي الودي (أم روابة) شرق جامعة الدلنج.
أما دار نعيلة، الذين يسكنون حي أبوزيد، فهم في الأصل كانوا يسكنون كادقلي ودار نزاع بينهم وبين الرواوقة (أحد خشوم بيوت الحوازمة) بسبب موروث اسمه (الرسالة)، فما كان من لجنة الأمن بولاية جنوب كردفان– فضا للنزاع بينهما– من أن يتم ترحيل دار نعيلة من كادقلي إلى الدلنج في سنة 1999.
وأولاد غبوش، وهي مجموعة قليلة مقارنة ببقية الحوازمة بمدينة الدلنج، هم في الأصل مجموعة نزحت تقريبا في عام 1998- 1999 إلى مدينة الدلنج، بعد أن تأثرت منطقتهم (الودي)، التي تقع جنوب الدلنج بالحرب، وسكنوا حيا سمي أولا بحي الودي (أم روابة حاليا) شرق جامعة الدلنج، وقد شاطرتهم الحي ثلة قادمة من أم روابة والبرقو والزنارية.
رابعا: المجموعات العربية (غير الحوازمة):
لهذه المجموعة لها علاقة قديمة بالمدينة، والمجموعة منها ذات الارتباط القديم بالمدينة عبارة عن جعليين وشايقية ودناقلة، يسكنون بما كان يسمى بحلة جلابة، وهم الاسم الجامع لهم، وهذه الحلة الآن شملها حي الملكية، الذي يعد من أقدم أحياء المدينة، إن لم يكن أقدمها، ثم بعد ذلك قدم أناس من وسط السودان (الجزيرة)، والنيل الأبيض (القراصة)، والجلابة الهوارة (بارا) وأم روابة (جوامعة)، وكلهم جاء إلى المدينة بقصد التجارة، وقد وردت المجموعات الأخيرة خلال العشرين أو العشر سنوات الأخيرة (ما بعد 1985).
وقد اشتهرت مجموعة أم روابة، التي تسكن حي أم روابة بشرق جامعة الدلنج وحي المعاصر وقعر حجر- بالتجارة على الطبالي بسوق الدلنج.
الجلابة القدامي بمختلف خلفياتهم، يسكنون حي الملكية ويتزوجون فيما بينهم ومع أهلهم خارج المنطقة، وهم مندمجون مع مجتمع المدينة، لكنهم في الوقت نفسه يسافرون مرات عديدة في العام لزيارة أقربائهم خارج ولاية جنوب كردفان.
خامسا: المجموعات الأخرى (غرب السودان، وجنوب السودان، ووسط وغرب إفريقيا):
نعني بها مجموعة غرب السودان، ومجموعة جنوب السودان، ومجموعة وسط وغرب إفريقيا، وقد تم إدخالهم ضمن مجموعة واحدة لقلة أعدادهم، وضعف أثرهم بالمدينة.
أما مجموعة غرب السودان- فأقدمهم الفور الذين صحبهم الترجم والبرقد، وذلك قبل أكثر من خمسين عاما، وقد استقروا أولا بمنطقة الحجور شمال الحمادي، وبعد الحرب استقروا بالقرب من جامعة الدلنج .
هذا، ولا توجد أحياء مميزة لمجموعة غرب السودان. وهم يقومون بالتجارة بأسواق المدينة المختلفة.
ومجموعة جنوب السودان علاقتها بالمدينة جديدة، ويعتبرون من أحدث القبائل قدوما إلى مدينة الدلنج بقصد الاستقرار. ولعل أقدم وأول مجموعة قدمت إلى المدينة حديثاً كانت عبارة عن مجموعة من الطلاب الدينكا النقوك، الذين تم توزيعهم بالمدينة بسبب أحداث أبيي الأولى، وقد كان ذلك في سنة 1978، وفيما بعد قدم عدد من الدينكا إلى المدينة، بسبب أحداث غرب النوير، وسكنوا في حي الحلة الجديدة، ويقدر عددهم بحوالي 15 أسرة، كما سكن عدد منهم داخل المدينة بكنيسة الدلنج. ومن عام 1990 فصاعدا قدمت مجموعة من الدينكا، واستقرت في حي الحلة الجديدة، واستقرت مجموعة منهم في حي أقوز وحي المعاصر، وهـــم عبارة عن نازحين؛ وذلك في المنطقة المتاخمة لكنيسة الدلنج.
ويلاحظ أن المهــنة الرئيسة للدينكا المقيمين بالمدينة، هي السقيا فهم يحملون (الجيزان) المليئة بالماء، ويبيعونها في الأحياء والأسواق.
تسكن مجموعة جنوب السودان في الأحياء الطرفية للمدينة، مثل: حي الحلة الجديدة وامتداده حي كجن.
أما قبائل وسط وغرب إفريقيا- فأول ارتباط لها بمدينة الدلنج، فيعود لفترة المهدية، وتمثله لنا أسرة الضو ود الخواجية، والضو هذا أبوه فولاني وأمه من الكدر، وبيوت هذه الأسرة بالقرب من المستشفي في حي السوق بالدلنج، ومنهم أسرة محمد محمد عبد الله، وهي خليط من الفولاني والبرنو. وقد قدمت إلى مدينة الدلنج في عام 1926 وصار الشيخ محمد القادم من السنجكاية بعد مضايقات من المستعمر- أول من أقام حلقة قرآن ودرس في الجامع الكبير بالدلنج، وقد سبق الشيخ محمد إلى مدينة الدلنج عدد منه الفلاني، مثل: حاج أبكر وحسن حامد، اللذين كانا أول الأمر يقسمان سكانهما بين السنجكاية والدلنج. ومن الفلاني القدامي في الدلنج أيضا أسرة محمد بادي كو، التي تسكن حي أقوز.
ومجموعة غرب ووسط إفريقيا، التي قدمت مبكرا إلى المدينة، تحالفت مع مكوكيات الأجانق، مثل: تحالف البرقو والبرنو والفلاتة (الفولاني) مع الدلنج والغلفان، كل علي حدة. وهذه المجموعة تكثف قدومها إلى المدينة مؤخرا.
ولعل أهم الأحياء بمدينة الدلنج، التي يسكن فيها أفراد هذه المجموعة، هي حي المطار وحي المعاصر.
فيما يلي نستعرض بعض الأحياء في مدينة الدلنج مقرونة بأهم المجموعات التي تسكنها:
الحي المجموعة
أقوز (خليط)
الطرق دلنج – نيمانق – كاركو – كجورية – والي
الحلة الجديدة نيمانق – غلفان – دينكا
قعر الحجر (خليط)
المطار حوازمة – جوامعة (أم روابة) – برقو
المك دلنج
الرديف نيمانق – تيمين – جلابة
المعاصر حوازمة – جوامعة (أم روابة) – كواليب
الملكية (خليط)
الصفا كتلا – كدر- جلد – نيمانق
التومات غلفان – تيمين
أبوزيد حوازمة
الموظفين (خليط)
الحامية (خليط)
بيلا دلنج – كاركو – كتلا – والي
التكمة دلنج
خلاصة:
مما سبق تناوله نلخص إلى أن مدينة الدلنج الحالية- أخذت الطابع المدني كواحدة من المدن في جبال النوبا، التي طورتها الإدارة البريطانية المستعمرة، في الربع الأول من القرن الماضي بعد أن تم تقسيم كردفان (وضمنها جبال النوبا) إلى مجالس وإدارات.
وأن عام 1985 يعد عاما فاصلا في تاريخ مدينة الدلنج، إذ هو العام الذي شهد تمرد عدد من النوبا، مما جعل المدينة تتأثر بتدفق النازحين عليها، فبعد أن كانت تنمو نموا طبيعيا كحاضرة للمنطقة ما حولها، شهدت الدلنج في عام 1985، وما يليه من أعوام تمددا واسعا، فأصبحت أطرافها تستقبل النازحين الفارين من المناطق المتأثرة بالحرب بصورة يومية أوشبه يومية، مما أثر على الخدمات المحدودة، التي كانت تنتظم أحياء المدينة.
وأن التركيبة السكانية لمدينة الدلنج تتنوع وتختلف خلفياتها الإثنية، إذ تضم المدينة مجموعة الأجانق بقبائلها ووحداتها القبلية الكثيرة، ومجموعة الأما (النيمانق) بقبائلها ووحداتها القبلية المختلفة، ومجموعة الحوازمة العربية بأقسامها (وبطونها) المتباينة، بالإضافة إلى مجموعات عربية أخرى غير الحوازمة- قدمت من شمال ووسط السودان، ومجوعات من غرب السودان وجنوبه، ومجموعات من وسط وغرب إفريقيا، جميعها تتقاسم أحياء المدينة قديمها والحديث.
