منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

*الاتحاد الأفريقي بين سيادة الدول والإرتهان الخارجي.. خزلان واضح تجاه الأزمة السودانية* د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب

0

*الاتحاد الأفريقي بين سيادة الدول والإرتهان الخارجي.. خزلان واضح تجاه الأزمة السودانية*

د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب

 

تأسس الاتحاد الأفريقي عام 2002 خلفًا لمنظمة الوحدة الإفريقية، ليكون إطارًا إقليميًا لحماية سيادة الدول الأعضاء، وتعزيز السلم والأمن، وتحقيق التنمية المستدامة في القارة. ومن بين الأهداف الأساسية المعلنة في وثيقة التأسيس، الالتزام بحماية الدول الأعضاء من النزاعات المسلحة والتهديد، واحترام حقوق الإنسان، والدفاع عن مصالح القارة أمام التحديات الإقليمية والدولية. ورغم هذه الطموحات، تواجه أهداف الاتحاد تحديات كبيرة على أرض الواقع بسبب الضغوط الخارجية، التي كثيرًا ما تؤثر على استقلالية قراراته، وتضعف فاعلية هيئاته، خاصة في الأزمات الحادة.
يُعد مجلس السلم والأمن الأفريقي الأداة الأساسية للاتحاد في إدارة النزاعات المسلحة والأزمات الأمنية. يملك المجلس صلاحيات واسعة تشمل التدخل للوقاية من النزاعات، فرض عقوبات على الأطراف المهددة للسلم، نشر بعثات حفظ سلام، والتنسيق مع المنظمات الإقليمية والدولية. ورغم هذه الصلاحيات النظرية، فإن عمل المجلس يواجه انتقادات مستمرة بسبب البطء في اتخاذ القرارات، محدودية الموارد، وتأثر سياساته بالضغوط الخارجية.
في الأزمة السودانية الحالية، ظهر ضعف الاتحاد الأفريقي بشكل واضح. فقد تجاهل إدانة المليشيا المسلحة التي استخدمت العنف والفوضى، مكتفيًا بإصدار بيانات عامة ضعيفة لا تحمل أي موقف حاسم تجاه الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. ولم يتخذ أي إجراءات عملية لردع هذه المليشيا أو حماية المدنيين، مما يعكس فجوة بين الصلاحيات النظرية للمجلس وقدرته على التنفيذ على الأرض.
الأمر الأكثر وضوحًا هو تجاهل الاتحاد التدخل الإماراتي في الشأن السوداني، رغم توثيق تأثيره السلبي على استقرار الدولة والسيادة الوطنية. هذا التجاهل يعطي الانطباع بأن الاتحاد الأفريقي أصبح مؤسسة مرهونة للضغوط الإقليمية والدولية، بدلاً من أن يكون فاعلًا مستقلًا يحمي مصالح الدول الأعضاء. ويزداد هذا الانطباع سوءًا بعد خزلان بيانه الأخير تجاه السودان أمس، الذي جاء ضعيفًا، روتينيًا، وخاليًا من أي موقف واضح تجاه الانتهاكات المستمرة أو التدخلات الخارجية. هذه السياسة المترددة تزيد من فقدان الثقة في الاتحاد كمؤسسة يمكن الاعتماد عليها في إدارة الأزمات.
يعكس هذا الواقع إشكالية الهيكلة الراهنة للاتحاد الأفريقي، حيث تتناقض الصلاحيات النظرية لمجلس السلم والأمن مع محدودية قدراته العملية. فغياب رد فعل واضح تجاه المليشيات والتدخلات الخارجية، إلى جانب بياناته المترددة والخجلة، يقلل من مصداقيته أمام الدول والشعوب الأعضاء، ويضعف الحاضنة الشعبية لدوره في السودان وأفريقيا بشكل عام.
لذلك، يصبح من الضروري أن يعيد الاتحاد الأفريقي النظر في آليات عمله. يجب أن يتبنى موقفًا صارمًا وواضحًا تجاه المليشيات المحلية والأجنبية، ويضع حدًا لأي تدخل خارجي يمس سيادة الدول الأعضاء. كما يجب أن يعزز دوره في الوساطة الوطنية، بالتعاون مع المجتمع المدني والشركاء الإقليميين، مع التركيز على الحلول الوطنية التي تعيد الاستقرار وتحمي المدنيين. فقط عبر استعادة استقلاليته ووضوح موقفه، يمكن للاتحاد أن يتحول من هيئة شكلية مرهونة إلى قوة فعالة تحمي الأمن والسلم في القارة.
خلاصة القول، إن الأزمة السودانية تكشف محدودية فعالية الاتحاد الأفريقي ومجلس السلم والأمن، وتبرز الحاجة إلى إعادة الهيكلة وتعزيز الاستقلالية عن الضغوط الخارجية. وإلا، فسيظل الاتحاد مجرد إطار رمزي، عاجز عن مواجهة التحديات الحقيقية، ومفتقدًا القدرة على حماية سيادة الدول وأمن شعوبها.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.