منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

*حماية المدنيين في الحرب ، ام الحرب علي المدنيين ؟* ✍  د.إيناس محمد احمد

0

*حماية المدنيين في الحرب ، ام الحرب علي المدنيين ؟*

✍  د.إيناس محمد احمد

تاريخيا تعد قصة وضع اتفاقية لحماية المدنيين في الحرب هي قصة استجابة دولية لما حدث من كوارث ومأسي انسانية مؤلمة ، حيث تطورت الحاجة من مجرد اعراف انسانية الي توصيات مؤتمرات دولية ثم الي معاهدة دولية ملزمة لحماية المدنيين لتشكل فيما بعد حجر الزواية في القانون الدولي الانساني.
كانت البداية في العام 1864م حيث وقعت اتفاقية جنيف لحماية الجرحي والمرضي في الميدان لكنها لم تغط المدنيين بشكل كاف .
ثم جاء مؤتمر 1929م الدبلوماسي لمراجعة الاتفاقيات واوصي بمراجعة ودراسة اتفاقيات حماية اسري الحرب، ووضع (دراسة) اتفاقية لحماية المدنيين لكنه لم يتم .
في العام 1934م اعدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر(مشروع طوكيو) لحماية المدنيين وكان مكون من 33 مادة ومن المقرر تقديمه الي مؤتمر دبلوماسي تقرر عقده عام 1940م ، لكن تم تأجيله بسبب الحرب العالمية الثانية .

بعد الحرب العالمية الثانية بكل ما خلفته من مرارات ومأسي كثيرة ادت الي عقد مؤتمر دبلوماسي في جنيف عام 1949م بهدف وضع اتفاقيات دولية لحماية ضحايا الحرب ، ثم جاء مؤتمر الاتفاقيات الاربع المعروفة باتفاقيات جنيف ، واهمها *اتفاقية جنيف الرابعة* التي عقدت في 12اغسطس 1949م وركزت علي *حماية المدنيين*، ثم تم اضافة بروتوكولات اضافية (1977_2005م ) لتوسيع نطاق الحماية ، كما أن هذة الاتفاقية لا تتعارض مع أحكام لوائح لاهاي لعام1907م بشأن ذات الحماية بل هي مكملة ومؤكدة لها ، كما ورد في المادة 154من اتفاقية جنيف الرابعة.

بتطبيق ما سبق علي الحرب في السودان نجد ان تداعيات الحرب في السودان أكدت ان لها آثار اقليمية وعالمية واضحة ، و لعبت تقاطعات مصالح الدول الكبري دورا فاعلا في استمرارها ، كما ان متوالية الاحداث فيها تنذر بفوضي عالمية تتجاوز الأبعاد السياسية والاقتصادية والانسانية التي يتوقعها الخبراء، لأن السودان الان يحمل في داخله أقوي أزمة انسانية في العالم رغم التكتم حولها، والاستهانة الاعلامية بها و محاولات التخفيف من حدتها .
في المقابل زادت هجمات المليشيا المتمردة عبر المسيرات (الإماراتية) لتستهدف المدن الآمنة وتستهدف المدنيين حيث قتلت مسيرة اطلقتها مليشيا الموت والخراب علي منزل في مدينة الأبيض استشهد نتيجتها عشرة أشخاص بينهم أطفال لا تتجاوز أعمارهم 4سنوات ، وكذلك تعرضت ولاية نهرالنيل لهجوم بسبع مسيرات انتحارية اطلقتها علي المدنيين فقتلت شخص واصابت اخرون ، فيما تمكن الجيش من إسقاط نحو تسع مسيرات اخري كانت في طريقها لاستهداف أرواح بريئة وبني تحيتية مدنية ، وكذلك عشرة مسيرات انتحارية في المنطقة الخلوية بالدامر الممتدة بين مصانع اسمنت عطبرة شمالا وحتي منطقة الزيداب جنوبا قبل وصولها لاهدافها .
في الخامس من يناير الجاري ذكرت الفرقة 19 مشاة مروي في بيان لها أن الدفاعات تصدت لمسيرات انتحارية اطلقتها المليشا الإرهابية مستهدفة مقر قيادتها وقاعدة مروي الجوية وسد مروي ،وهي هجمات تأتي ضمن استهداف المنشأت الاستراتيجية .
قبل ذلك استهدفت المليشيا محطة كهرباء مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان ومطار كنانة بولاية النيل الأبيض ، وكلها أعيان مدنية يشكل الهجوم عليها جريمة حرب .
المسيرات رفعت فاتورة الحرب انسانيا ، فذاد عدد الشهداء من المدنيين زيادة كبيرة و امتد تدمير الاعيان المدنية بطريقة ممنهجة مقصودة ، هذة الاحداث ليست حوادث معزولة ولا اخطاء عسكرية بل هي أهداف مرسومة وهجمات ممنهجة متعمدة ضد المدنيين .
الامم المتحدة عبر مكتبها لتنسيق الشؤون الإنسانية( اوتشا) اعربت عن قلقها إزاء الغارات الجوية بطائرات بدون طيار علي المدنيين ،،هذا ما لديها ابداء القلق !!!!!

علي صعيد متصل كشفت مبادرة لا لقهر النساء عن احتجاز 600 امرأة محتجزة في سجن (كوريا) بمدينة نيالا بولاية جنوب دارفور ، يعانين التعذيب والعنف الجنسي مما ادي الي تدهور الوضع صحي لهن وقلة الطعام والرعاية الصحية ، وكذلك تحتجز المليشيا اطفالهن في ظروف قاسية تفتقر للطعام والرعاية الطبية ويعاني اغلبهم من سؤ التغذية والأمراض ، وحملت منظمة العفو الدولية المليشيا مسؤلية سلامة النساء والاطفال الذين تحتجزهم ، وبما ان المليشيا لا تتقيد بالقوانين ولا تحترم اعراف ولا تعرف مواثيق واتفاقيات ،فإن وضع هؤلاء النساء والاطفال خطير و كارثي ،،، والعالم يصمت !!!!!

ميدانيا ، رغم تأكل قدرات المليشيا و محدودية تحركاتها الا ان استخدامها للمسيرات لفرض معادلة ضغط مستمر علي القوات المسلحة لم تنجح ، لان تكتيكات القوات المسلحة الحاسمة وتركيزها علي استكمال الاهداف التي تستهدفها تجعل المليشيا بين مطرقة الاستنزاف المستمر وسندان فقدان التوازن في ميدان المعركة وبالتالي استمرار سلسلة من الهزائم غير المعلنة _حتي الان_ .

علي الصعيد الانساني تستمر موجات النزوح كلما اشتدت المعارك ، مما يؤدي الي تفاقم الوضع الانساني وزيادة الحاجة للمساعدات الإنسانية والعناية الطبية للمدنيين ، مع استمرار المليشيا في استهداف المدنيين والاعيان المدنية ، مما رفع درجات تحذير منظمات الاغاثة الدولية والاقليمية من تدهور الوضع الانساني اكثر مما هو عليه ، والعالم في صمت مخجل !!!
في خضم هذة الاحداث المؤلمة التي لم تفارق المشهد السوداني منذ بداية الحرب ، تأتى التكتلات الإقليمية لتصبح عنصرا داعما لاستمرار الحرب وتعميق التقاطعات بين القوي الإقليمية والدولية مما يضعف مبادرات إيقاف الحرب سواء اقليمية او دولية ويزيد الازمة الإنسانية.

دبلوماسيا ذكر كاميرون هيدسون الدبلوماسي و الخبير الأميركي في الشؤون الافريقية ، ذكر في جلسة مجلس الأمن في 22ديسمبر 2025م ، ان “اكثر من 12دولة تدعم الدعم السريع بالاسلحة والعتاد ورغم ذلك تتحدث هنا في هذا المجلس عن الجانب الانساني الذي تدهور ، نعم تدهور بفعل ما أرسلوه من اسلحة “، والعالم يصمت ولا يعلق !!!!

في الوقت الذي يحتفل العالم فيه بالذكري 75 لاتفاقيات جنيف الاربعة الصادرة في أغسطس 1949م ودخلت حيز التنفيذ في اكتوبر 1950م وصادق عليها أكثر من 194دولة وهي اكثر الاتفاقيات الدولية مصادقة مما يجعل تطبيقها واجبا حول العالم ، وهي تشكل ركيزة استراتيحية في القانون الدولي الانساني بتقنينها القواعد الأساسية التي تحد من عنف وقسوة الحروب وتلزم أطرافها باحترامها و تلزمهم بتطبيقها ، كما انها تعد من أهم مصادر القانون الدولي الانساني، رغم كل ذلك ، الا ان التجارب السابقة والحالية للحروب حول العالم تجعلنا بحاجة ماسة لمراجعة كيفية حماية المدنيين بموجب آليات دولية فاعلة ، لأن ما يحدث علي ارض الواقع تجاوز ما تنص عليه الاتفاقيات.

اللهم انصر القوات المسلحة نصرا عزيزا يا الله سبحانك لا ناصر لنا الا انت.

الخميس 8 يناير 2026م

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.