البعد_الاخر مصعب بريــر «الجيش جيشنا نحن أهله.. وبنستاهلو»: ملحمة كردفان وتباشير الفجر السوداني ..!
البعد_الاخر
مصعب بريــر
«الجيش جيشنا نحن أهله.. وبنستاهلو»: ملحمة كردفان وتباشير الفجر السوداني ..!
في حوش كل بيت سوداني، هناك دائماً ذكريات معلقة، وصورة قديمة لرجل بزي عسكري، أو حكاية يُذكر فيها اسم “الجيش” كأنه فرد أصيل في العائلة. هل سألت نفسك يوماً لماذا لم تستطع كل العواصف والسنوات العجاف أن تقتطع هذا الخيط الخفي بين المواطن في عزلته أو نزوحه، والمقاتل في خندقه؟ السبب بسيط وعميق في آن واحد: هذا الجيش لم يأتِ من كوكب آخر، بل هو ولد ذلك البيت، وأخو تلك الشاهقة، وابن هذه الأرض. نحن أهله، وحين يشتد الخطب ونلمس أوجاعنا اليومية، نعرف يقيناً أننا نستاهل هذا الفجر الذي يسترد فيه الوطن كرامته.
ما يحدث اليوم باختصار، ليس مجرد أخبار متداولة عن حركة آليات أو عبور قوات، بل هو تحول جذري في نسيج المعركة برمتها. عندما أعلنت القوات المسلحة والقوات المساندة لها عن انطلاق عملية “طوفان كردفان”، واستعادة مناطق مفصلية مثل بارا، وأم سيالة، وأم قرفة، وجبرة الشيخ، لم تكن تبشرنا بمجرد مساحات جغرافية أُعيدت إلى الخارطة، بل كانت تعلن عن بدء انكسار جدار الخنق الذي حاصر كردفان والغرب لشهور. هذا ليس حديثاً عن الماضي أو تمجيداً معزولاً، بل هو عما نعيد كسبه اليوم بصبرنا؛ عن الشريان الذي كان مسدوداً بالأمس وصار اليوم ممرّاً للأمل.
إذا نظرنا للأمر بظاهره العسكري، سيقول لك التحليل المباشر إن استعادة هذه المناطق تعني انتقال زمام المبادرة من الدفاع إلى الهجوم، وتوفير عمق دفاعي يرفع الضغط المباشر عن مدينة الأبيض. وهذا صحيح تماماً، لكن الجوهر الحقيقي يكمن فيما هو أعمق من الجغرافيا الصامتة. هذه البلدات المنتشرة بين كردفان والصحراء هي الشرايين التاجية لخطوط إمداد التمرد القادمة من الغرب. حين يُحكم الجيش قبضته على “جبرة الشيخ” و”بارا”، فهو لا يحرر أرضاً فحسب، بل يضع صمام أمان يقطع الأكسجين اللوجستي عن أطراف التمرد، ويجعل حركته بين الغرب والوسط مكشوفة ومفلولة، مما يمهد الطريق تلقائياً لنقل ثقل الاستقرار نحو دارفور.
طيب، هذا التحليل العسكري، ماذا يعني بلغة الواقع للمواطن البسيط في سوق أم درمان، أو الفلاح في ولايات كردفان؟ يعني الكثير جداً. السيطرة الميدانية ليست مجرد علم يُرفع فوق مبنى، بل هي حركة تجارة تبدأ في التنفس، وشاحنات خضار وأدوية تصل إلى الأسواق بأسعار أرفق، وحافلة تسافر على الطرق القومية دون أن يقطع طريقها خائف أو طامع. انظر كيف تتشابك الأسباب والنتائج؛ فحين صَدَر بيان الاتحاد العام للمهن الطبية والصحية مباركاً هذه الانتصارات ومؤكداً أن استعادة الأمن هي الركيزة الأساسية لإعادة بناء القطاع الصحي وتشغيل المستشفيات، لم يكن ذلك مجرد موقف مهنى، بل كان تشخيصاً لواقع يلمسه الجميع. لا يمكن لطبيب أن ينقذ حياة طفل في مركز صحي إلا إذا كان الطريق إليه آمناً والإمداد الدوائي سالكاً.
الأمر يشبه تماماً سائق الحافلة الذي يصلح إطاراته كل يوم وهو يشتكي من العطل، دون أن يسأل لماذا الطريق كله حفر وأشواك. القوات المسلحة بتمددها واستعادتها لهذه المحاور الحاكمة تعيد تعبيد الطريق الأساسي للدولة. ولكن، ألا يتحمل المجتمع بأفراده ومؤسساته المدنية جزءاً من المسؤولية أيضاً؟ إن بسط السلام لا ينتهي بنزول البيان العسكري، بل يبدأ بوعي المواطن، وتماسكه، وتهيئة البيئة لعودة الحياة والحفاظ على ما تم تحريره، لتتحول المكاسب العسكرية إلى استقرار إداري واجتماعي دائم.
وهكذا، حين تتجمع هذه الخيوط الممتدة من ربوع كردفان وحتى تفاصيل حياتنا اليومية، نصل إلى الحقيقة الحاسمة: إن هذه الانتصارات ليست مجرد مكاسب في رقعة شطرنج، بل هي إشعار صريح بأن رهانات تفكيك السودان وعزله عن عمقه الغربي قد سقطت أمام صلابة الأرض وأهلها.
بعد اخير:
خلاصة القول، إن الأمم لا تُقاس بقدرتها على تفادي النكبات فحسب، بل بطريقتها في النهوض من تحت الركام حين يظن الجميع أنها انتهت. وما يسطره أبناء هذا الشعب بدمائهم اليوم في رمال كردفان ودارفور وصحاريها هو أكثر من مجرد تحرير مدن؛ إنه إعادة كتابة للعهد القديم الذي يربط الإنسان ببيته، والتأكيد على أن أرضاً تُروى بدماء أصحابها لا يمكن أن تكون جغرافيا مستباحة لغريب.
أخيرًا، لقد أثبتت الأيام أن الدول لا تسقط طالما بقيت إرادة مجتمعاتها حية ومؤمنة بحقها في الحياة والكرامة. والرسالة القادمة من قلب كردفان اليوم صريحة ولا تتلعثم: السلاح قد يحسم معركة في الميدان، لكن التلاحم الصادق بين الشعب وجيشه هو وحده من يصنع معجزة بقاء الوطن.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com
