منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

هل يمكن تحقيق استقرار نقدي دون استعادة الإنتاج؟ ===================== بقلم مستشار: أحمد حسن الفادني

0

هل يمكن تحقيق استقرار نقدي دون استعادة الإنتاج؟
بقلم مستشار: أحمد حسن الفادني

سوف نبدأ مقالنا بالعنوان نفسه (هل يمكن تحقيق استقرار نقدي دون استعادة الإنتاج؟)
ففي الاقتصاد السوداني عندما نحاول تثبيت النقد قبل أن نعيد بناء الاقتصاد الحقيقي
هناك سؤال يبدو للوهلة الأولى نقدي بحت وهو (كيف يمكن تثبيت الجنيه السوداني والسيطرة على التضخم؟)
لكن السؤال الأعمق الذي يسبق ذلك هو( ماذا نملك فعليا حتى نستطيع تثبيت قيمة العملة؟)
هذه ليست مسألة لغوية أو تلاعب في الألفاظ ،ففي الاقتصاد العملة لا تستمد قوتها من قرار إداري وحده ولا من إعلان سعر صرف جديد ولا من تدخل مؤقت في سوق النقد الأجنبي ، قيمة العملة ترتبط في النهاية بقدرة الاقتصاد الذي تقف خلفها على الإنتاج والتصدير وتوليد الدخل والنقد الأجنبي وبقدرة الدولة على ضبط ماليتها وبثقة المواطنين في استمرار هذه القدرة،
ومن هنا تبدو الإجابة عن السؤال واضحة في المدى الطويل يمكن تهدئة السوق النقدية دون استعادة الإنتاج لكن من الصعب جدا بناء استقرار نقدي حقيقي ومستدام دون استعادة الإنتاج.
وهذه هي العقدة التي ينبغي أن يبدأ منها النقاش السوداني حول الجنيه والتضخم وسعر الصرف ،فعندما ينكمش الاقتصاد الحقيقي تبدأ العملة في دفع الثمن، الاقتصاد السوداني لم يواجه خلال الحرب فقط أزمة سيولة أو اضطراب في سوق الصرف ما حدث كان أكثر عمقا فقد تضررت القدرة الإنتاجية نفسها، بهذا فقد انكمش الناتج الحقيقي بصورة حادة خلال عامي 2023 و2024 نتيجة تدمير البنية التحتية وتعطل التجارة والخدمات والصناعة والنشاط الزراعي في مناطق واسعة قبل أن تظهر في 2025 مؤشرات تعافي جزئي مرتبطة بتحسن النشاط في بعض المناطق وعودة الأسواق وحركة السكان والإنتاج. ويؤكد البنك الدولي أن هذا التعافي ظل هشا وأن الاقتصاد لا يزال يعمل بعيدا عن قدرته السابقة.
وهنا تظهر العلاقة التي كثيرا ما يتم تجاوزها في النقاش العام.
(عندما ينخفض الإنتاج تقل السلع المتاحة)
وعندما تقل السلع ترتفع الأسعار وعندما لا يستطيع الإنتاج المحلي على تلبية الطلب تزداد الحاجة إلى الاستيراد، وعندما ترتفع الحاجة إلى الاستيراد دون أن تقابلها صادرات كافية يزداد الطلب على النقد الأجنبي.
وعندما يكون النقد الأجنبي شحيح يتعرض سعر الصرف للضغط.
ثم تنتقل تكلفة انخفاض قيمة العملة إلى أسعار السلع المحلية.
وهكذا لا يكون التضخم في هذه الحالة ظاهرة نقدية منفصلة عن الاقتصاد الحقيقي وإنما يصبح جزء من دائرة تبدأ من انخفاض الإنتاج وتنتهي بانخفاض القوة الشرائية للعملة، ولكن هل يعني ذلك أن السياسة النقدية لا تستطيع فعل شيء؟
و نقول بالعكس، وهنا يجب أن نكون دقيقين، فالبنك المركزي يستطيع التأثير في السيولة وإدارة السياسة النقدية وتنظيم القطاع المصرفي والتدخل في سوق الصرف ضمن إمكاناته والعمل على تحسين انتقال السياسة النقدية، أيضا كما تستطيع الحكومة ضبط الإنفاق وتقليل عجز الموازنة وتحسين الإيرادات والحد من التمويل النقدي للعجز، وهذه أدوات ضرورية، ولكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الأدوات من وسائل للاستقرار إلى بدائل عن الإنتاج،فإذا حاولت الدولة خفض التضخم عبر تقليص السيولة بينما الإنتاج نفسه منهار فقد ينخفض الطلب بالفعل لكن الاقتصاد قد يدفع الثمن من خلال مزيد من الانكماش.
وإذا حاولت الدولة أيضا تثبيت سعر الصرف عبر استخدام موارد محدودة من النقد الأجنبي فقد يهدأ السوق لفترة ولكن ذلك لا يعالج سبب شح النقد الأجنبي، وإذا جرى تثبيت سعر رسمي بعيد عن السعر الذي يعكس ندرة العملة الأجنبية فقد ينشأ فارق بين السوق الرسمي والموازي وتنتقل معاملات النقد الأجنبي تدريجيا إلى القنوات غير الرسمية.
فالمشكلة هنا ليست في أدوات السياسة النقدية نفسها وإنما في تحميلها فهذه مهمة لا تستطيع الدولة وحدها القيام بها، فالسودان عرف هذه الحلقة من قبل فهي ليست أزمة اليوم وليست ليدة الحرب ، فقبل الحرب كان الاقتصاد السوداني يعاني اختلالات نقدية ومالية وهيكلية من بينها ضعف الإيرادات العامة والتمويل النقدي للعجز وارتفاع التضخم وتشوهات سعر الصرف وضعف القدرة على توليد النقد الأجنبي.
ويشير البنك الدولي إلى أن التضخم في السنوات السابقة للحرب كان مرتبط بدرجة كبيرة بتمويل العجز المالي من جانب البنك المركزي في حين أدت الحرب لاحقا إلى إضافة عامل جديد أكثر خطورة يتمثل في انهيار قنوات الإنتاج والتوزيع والإمداد، وهذا التفريق مهم فالتمويل النقدي للعجز يمكن أن يكون محركا مباشرا للتضخم لكن عندما يحدث ذلك داخل اقتصاد يعاني أيضا من نقص السلع وانهيار الإنتاج يصبح التضخم أكثر تعقيد وأكثر مقاومة للمعالجة،ولهذا لا يكفي أن نسأل( كمية النقود أكبر من اللازم؟)
يجب أن نسأل أيضا
(كمية السلع المنتجة أقل من اللازم لماذا؟)
فاستقرار الأسعار يحتاج إلى جانب نقدي منضبط لكنه يحتاج كذلك إلى جانب إنتاجي قادر على زيادة المعروض،
الجنيه لا يحتاج إلى قرار بقدر ما يحتاج إلى اقتصاد يقف خلفه
هناك ميل طبيعي في الأزمات إلى البحث عن القرار الحاسم و المتمثلة في توحيد سعر الصرف وتعديل السعر الرسمي تشديد السياسة النقدية تقييد الاستيراد أو ضخ العملات الأجنبية، فكل هذه الإجراءات قد تكون ضرورية في وقتها.
لكنها لا تستطيع وحدها صناعة عملة مستقرة ،فالعملة في النهاية هي انعكاس لقدرة الاقتصاد على إنتاج القيمة ، فنجد أن الدولة التي تصدر أكثر مما تستورد وتجذب الاستثمار وتنتج الغذاء والصناعة وتملك قطاع مالي يعمل بكفاءة وتحصل إيراداتها من اقتصاد واسع تكون عملتها مدعومة بقاعدة اقتصادية حقيقية.
أما الدولة التي تعتمد – كما في حالنا الان – على استيراد جزء كبير من احتياجاتها و تتراجع صادراتها وإيراداتها ويضعف إنتاجها المحلي فإن العملة تصبح تحت ضغط مستمر مهما كانت الإجراءات النقدية صحيحة و قوية ، ولهذا فإن استقرار الجنيه السوداني يبدأ في المزرعة والمصنع والمنجم والميناء قبل أن يصل إلى شاشة البنك المركزي.
التضخم السوداني ليس نقودا كثيرة:
من أكثر التفسيرات تبسيطا هي اختزال التضخم السوداني في زيادة عرض النقود، هذا العامل مهم لكنه ليس العامل الوحيد، فالبنك الدولي أشار في تحديثه الاقتصادي للسودان إلى أن التضخم تفاقم بسبب اضطراب سلاسل الإمداد وانخفاض الإنتاج وارتفاع تكاليف النقل والغذاء والسكن إضافة إلى الضغوط النقدية والمالية، كما بدأ التضخم في التراجع عندما بدأت بعض القيود على الإمداد والنشاط الاقتصادي في الانحسار، وهذه الملاحظة تحمل دلالة مهمة، فحين تبدأ الأسعار في التراجع مع تحسن حركة الأسواق والإنتاج فهذا يعني أن جانب العرض ليس تفصيل ثانوي في المعادلة النقدية، فالاقتصاد السوداني يحتاج إلى سياسة نقدية منضبطة و ايضا يحتاج في الوقت نفسه إلى سياسة عرض وهذا مفهوم ينبغي أن يحتل موقع أكبر في التفكير الاقتصادي السوداني.
ماذا يحدث إذا حاولنا تثبيت العملة قبل الإنتاج؟:
لنفرض أن الدولة تمكنت من تهدئة سوق الصرف لفترة، ماذا سيحدث إذا لم يزد الإنتاج؟سيظل الطلب على السلع قائم ، وسيظل الطلب على الواردات قائما.
وستظل الحاجة إلى النقد الأجنبي قائمة، وإذا لم تتوسع الصادرات أو تدفقات الاستثمار والتحويلات أو مصادر النقد الأجنبي الأخرى فإن الضغط سيعود مرة أخرى، وقد تكون النتيجة أسوأ و كارثية إذا حاولت الدولة الدفاع عن سعر صرف لا تدعمه أساسيات الاقتصاد لأن ذلك قد يستنزف الموارد المتاحة دون معالجة أصل المشكلة.
ومن هنا فإن أي استقرار نقدي لا يستند إلى تحسن الاقتصاد الحقيقي قد يكون استقرارا مؤجلا للأزمة وليس حلا لها.
وهنا ينبغي التمييز بين الاستقرار الاسمي والاستقرار الحقيقي، قد يستقر سعر الصرف لفترة،وقد يتباطأ التضخم لفترة، وقد يتحسن سعر العملة في السوق.
لكن السؤال الأهم هو هل أصبحت قدرة الاقتصاد على توليد السلع والنقد الأجنبي أقوى؟
إذا كانت الإجابة لا فإن الاستقرار يظل هشا ،فالإنتاج لا يعتبر علاج للتضخم… إنه مصدر العملة نفسها
هذه النقطة ربما تكون أهم ما ينبغي إعادة التفكير فيه، عندما نتحدث عن استعادة الإنتاج فإننا لا نتحدث فقط عن توفير السلع للمواطن، انما بالإنتاج الزراعي والصناعي والحيواني و التعديني والخدمي يولد دخلا و يوفر وظائف ويخفض الحاجة إلى بعض الواردات ويزيد القدرة على التصدير و يوسع القاعدة و الماعون الضريبي ويزيد الطلب على الخدمات والنقل والطاقة والتمويل ، بمعني أن الإنتاج يعيد بناء الدورة الاقتصادية بأكملها.
ولهذا فإن زيادة الإنتاج المحلي ليست سياسة قطاعية منفصلة عن الاستقرار النقدي إنها أحد شروطه الأساسية فقط، الزراعة قد تكون نقطة البداية
في الحالة السودانية أننا لا نحتاج الي استعادة الإنتاجة فقط ولا إلى انتظار عودة الصناعة الثقيلة أو تدفق استثمارات ضخمة من الخارج، هناك قطاعات يمكنها أن تتحرك بصورة أسرع وعلى رأسها الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات الغذائية المرتبطة بهما. ويشير البنك الدولي أن استعادة الزراعة وسلاسل القيمة المرتبطة بها ستكون أساسية لتحقيق الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل،وهذا يعني أن السياسة النقدية يجب ألا تنفصل عن السياسة الإنتاجية.
إذا كان التمويل المتاح للزراعة لا يصل في الوقت المناسب فإن تقييد السيولة لن يحل المشكلة، وإذا كانت المدخلات الزراعية غير متاحة فلن تؤدي وفرة النقود إلى زيادة الإنتاج.
وإذا كانت الطرق والأسواق ومراكز التخزين مدمرة فلن يكفي استقرار سعر الصرف لكي يصل المحصول إلى المستهلك.
المطلوب إذا هو بناء حلقة إنتاجية كاملة فهنا نجد أن الصادرات هي الحلقة المفقودة في الاستقرار النقدي، فالاستقرار النقدي السوداني لا يمكن أن يعتمد على تقليل الطلب على الدولار إلى ما لا نهاية، هناك جانب آخر أكثر أهمية هو زيادة قدرة الاقتصاد على إنتاج الدولار، والدولار الذي يحتاجه السودان لاستيراد الوقود والدواء والآلات ومدخلات الإنتاج لا يمكن توفيره بصورة مستدامة إلا من مصادر حقيقية للنقد الأجنبي، وهنا تأتي الصادرات في المقدمة ، لكن السودان لا يحتاج إلى زيادة الصادرات الخام و إنما يحتاج إلى زيادة القيمة المضافة للصادرات.
فتصدير المحاصيل أفضل من تركه يتلف لكن تصنيعه وتعبئته وتطوير جودته وربطه بسلاسل الامداد العالمية يمكن أن يضاعف أثره الاقتصادي.
و الثروة الحيوانية يمكن أن تكون مصدرا للنقد الأجنبي و لكن صناعة اللحوم والجلود والألبان تستطيع الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة داخل الاقتصاد.، والذهب يمكن أن يوفر النقد الأجنبي لكن إدماجه في نظام رسمي وشفاف يضاعف أثره على المالية العامة والاحتياطيات.
هنا يصبح التصدير جزءا من السياسة النقدية بالمعنى الاقتصادي الواسع، فالمالية العامة هي الجسر بين النقد والإنتاج
لا يمكن أيضا فصل السياسة النقدية عن المالية العامة.
إذا كانت الحكومة تنفق أكثر بكثير مما تستطيع تحصيله أو تمويله بصورة مستدامة فإن الضغط سينتقل في النهاية إلى النظام النقدي.
وهذه ليست مسألة نظرية ، فالبنك الدولي يشير إلى أن الإيرادات الحكومية السودانية انهارت بشدة منذ بداية الحرب مما أدى إلى تضييق المساحة المالية للدولة بينما ظل الإنفاق تحت ضغط الاحتياجات المتزايدة، وهنا تظهر الحلقة الأهم وهي اقتصاد ضعيف يعني إيرادات ضعيفة، فإيرادات ضعيفة تعني عجزا أكبر، والعجز قد يؤدي إلى مزيد من التمويل النقدي، فالتمويل النقدي يزيد الضغوط على الأسعار وسعر الصرف، وارتفاع الأسعار يقلل القوة الشرائية، فتراجع القوة الشرائية يضغط على الإنتاج والاستثمار.
ثم يعود الاقتصاد إلى نقطة البداية، فكسر هذه الحلقة يتطلب شيئا أكبر من تشديد السياسة النقدية فيتطلب استعادة الإيرادات من خلال استعادة الاقتصاد نفسه
هل يمكن إذن أن نبدأ بالنقد قبل الإنتاج؟:
نعم ولكن مشروط حيث لا يمكن انتظار عودة الإنتاج الكامل حتى يبدأ الإصلاح النقدي والعكس هو الصحيح فيجب أن تعمل السياسة النقدية والمالية على وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار الذي يسمح للمنتج بالعودة إلى النشاط، فالمزارع يحتاج إلى بيئة سعرية أكثر قابلية للتنبؤ ، والمصنع يحتاج إلى عملة يمكنه التخطيط على أساسها، فالمصدر يحتاج إلى قواعد واضحة للنقد الأجنبي، فالمستثمر يحتاج إلى معرفة أن عائده لن يضيع بسبب انهيار العملة المسألة مترابطة
إذن المطلوب ليس اختيار النقد أو الإنتاج، المطلوب هو تزامن الإصلاح النقدي مع استعادة الإنتاج، فالسياسة النقدية تهيئ البيئة، والإنتاج يملأ هذه البيئة بالمحتوى الاقتصادي، فالاستقرار الحقيقي يبدأ عندما تتغير توقعات الناس
و هناك جانب نفسي لا يقل أهمية عن المؤشرات الاقتصادية.
في الاقتصاد الذي يفقد الناس الثقة في عملته ويبدأ المواطن في التخلص من العملة المحلية بمجرد حصوله عليها ويحاول الاحتفاظ بالسلع أو العملات الأجنبية أو الذهب أو الأصول، فهذا السلوك يزيد سرعة دوران النقود ويعمق الضغط على الأسعار وسعر الصرف.
لذلك فإن استقرار العملة يحتاج إلى تغيير التوقعات ولكن التوقعات لا تتغير بالتصريحات !!!المواطن يحتاج إلى رؤية إنتاج يتحسن وأسواق أكثر انتظام وأسعار أكثر استقرار ونظام مصرفي يعمل ودولة تضبط ماليتها وسوق صرف أقل تشوها، عندها فقط تبدأ الثقة في العودة.
ما الذي ينبغي أن تفعله السياسة الاقتصادية السودانية؟:
الخطأ هو البحث عن حل واحد لأزمة متعددة الأبعاد ومتجزرة ،فالسودان يحتاج إلى برنامج استقرار اقتصادي تكون فيه السياسة النقدية جزءا من منظومة أكبر ،فينبغي أولا وقف الاعتماد على التمويل النقدي للعجز إلى أقصى حد ممكن وتحسين إدارة السيولة وإعادة بناء سوق الصرف على أساس أكثر شفافية واتساقا،وفي الوقت نفسه يجب توجيه الموارد المحدودة نحو الأنشطة القادرة على استعادة الإنتاج بسرعة خصوصا الغذاء والزراعة والثروة الحيوانية والصناعات الغذائية والطاقة والنقل وسلاسل التصدير.
كما ينبغي أن يكون تمويل الإنتاج جزء من الإصلاح المصرفي لأن المصارف التي لا تستطيع تمويل النشاط الحقيقي لن تكون قادرة على دعم الاستقرار الاقتصادي مهما تحسنت أدواتها النقدية.
أما سعر الصرف فينبغي ألا ينظر إليه باعتباره هدف منفصل عن الاقتصاد وإنما باعتباره سعرا يعكس تدريجياً قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي.
وهنا تاتي أهمية ما يدعو إليه خبراء الاقتصاد المحليين و الدوليين من الحفاظ على سعر صرف موحد وتقليل الحواجز أمام التجارة الداخلية والخارجية ضمن أجندة التعافي الاقتصادي.
السؤال الحاسم: ماذا نريد أن نستقر؟:
ربما نحتاج إلى إعادة صياغة السؤال كله.
هل نريد استقرار سعر الدولار؟ ،أم استقرار الأسعار؟، أم استقرار القوة الشرائية؟،أم استقرار توقعات المستثمرين؟
هذه الأشياء مترابطة لكنها ليست الشيء نفسه، يمكن أن يستقر سعر الصرف لفترة بينما تستمر الأسعار في الارتفاع.
ويمكن أن يتباطأ التضخم بينما يظل الاقتصاد منكمشا.
ويمكن أن يتحسن سعر العملة مؤقتا بينما تظل القدرة الإنتاجية ضعيفة.
لكن الاستقرار الاقتصادي الحقيقي يعني أن تصبح هذه المؤشرات مرتبطة باقتصاد قادر على توليد القيمة بصورة مستمرة، وهنا تحديدا يكمن الفرق بين إدارة الأزمة وإنهاء أسباب الأزمة.
اوهنا تكمن الخلاصة في لا يمكن تثبيت قيمة العملة إذا ظلت قيمة الاقتصاد تتراجع
السؤال الذي بدأنا به كان( هل يمكن تحقيق استقرار نقدي دون استعادة الإنتاج؟)
الإجابة الدقيقة هي(
يمكن تحقيق تهدئة نقدية مؤقتة دون استعادة الإنتاج) ولكن لا يمكن بناء استقرار نقدي مستدام دون استعادة القدرة الإنتاجية، يمكن للبنك المركزي أن يضبط السيولة،
ويمكن للحكومة أن تضبط الإنفاق، ويمكن توحيد سوق الصرف، ويمكن تحسين إدارة النقد الأجنبي، ويمكن تقليل الاختلالات الماليةو يمكن و يمكن و يمكن تطول .
لكن هذه السياسات تحتاج في النهاية إلى اقتصاد حقيقي يقف خلفها، فلا يمكن للعملة أن تصبح قوية بصورة مستدامة إذا كان الإنتاج ضعيفا، ولا يمكن لسوق الصرف أن يستقر إذا كان الاقتصاد عاجزاً عن توليد النقد الأجنبي، ولا يمكن للمالية العامة أن تصبح قوية إذا ظل الوعاء الاقتصادي منكمشا، ولهذا فإن الطريق إلى الاستقرار النقدي السوداني لا يبدأ من الجنيه وحده ، انما يبدأ من قدرة السودان على إنتاج الغذاء، وتشغيل المصانع، واستعادة الزراعة، وتنظيم التعدين، وتطوير الثروة الحيوانية، وتوفير الطاقة، وخفض تكلفة النقل، واستعادة الصادرات، وإعادة بناء القطاع المصرفي، وتوسيع القاعدة الضريبية.
وعندما يبدأ الاقتصاد الحقيقي في إنتاج المزيد يبدأ الضغط على الأسعار في التراجع من مصدره.
وعندما تبدأ الصادرات في توليد المزيد من النقد الأجنبي فيصبح سعر الصرف أكثر قابلية للاستقرار، وعندما تتوسع الأنشطة المنتجة، تتسع الإيرادات العامة، وعندما تتسع الإيرادات يقل الاعتماد على التمويل النقدي للعجز، وعندما تنضبط المالية العامة تصبح السياسة النقدية أكثر فاعلية.
وهنا نصل إلى النتيجة التي كثيرا ما يغفل عنها النقاش العام وهي أن الاستقرار النقدي ليس نقطة بداية للتعافي الاقتصادي إنه أيضاً نتيجة من نتائج التعافي، ولذلك فإن محاولة تثبيت العملة مع بقاء الاقتصاد الحقيقي ضعيفا تشبه محاولة تثبيت ميزان يميل من أساسه.
أما الطريق الأكثر واقعية للسودان فهو أن يتحرك الإصلاح النقدي والإصلاح الإنتاجي في الاتجاه نفسه وفي الوقت نفسه فالسياسة النقدية تمنح الاقتصاد مساحة للتنفس بينما يمنحه الإنتاج القدرة على الوقوف.
وفي النهاية لا تكمن قوة الجنيه في كمية القرارات التي تصدر لحمايته وإنما في قوة الاقتصاد الذي يحمله.
إذا أردنا عملة مستقرة، فعلينا أولا أن نبني اقتصاد يستطيع أن ينتج ويصدر ويمول نفسه. وهذه هي المعادلة التي ينبغي أن تحكم المرحلة الاقتصادية المقبلة في السودان
لا استقرار نقدي مستدام بلا استقرار إنتاجي ولا استقرار إنتاجي بلا بيئة نقدية ومالية منضبطة.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.