خارج النص يوسف عبد المنان يكتب : *صورتين*
خارج النص
يوسف عبد المنان يكتب :
*صورتين*

الصورة الأولى في شهر يوليو بعد اندلاع الحرب بثلاثة أشهر والمكان جامعة كرري شمال ام درمان على طريق الكلية الحربية ومجموعة صغيرة جدا من الموظفين لايتعدون أصابع اليد الواحدة ومكتب متواضع من حيث الأثاث ربما كان مخصصا لعميد كلية الهندسة مكتب الوالي محاط بجولات خيش معبأة بالتراب بينما مكتب الإعلام الذي يتألف من الطيب سعد الدين الوفي لمهنته ولمن هم فوقه وعبدالرحمن حسن والمصور والمخرج محمود مراسل تلفزيون السودان مستور آدم مراسل الإذاعة نورالدين آدم فضل وسونا وعثمان مدير مكتب الوالي جمال قاسم ومحمد سلامة والعقيد صلاح سعيد والملازم وضاح عابدين وسائق الوالي صلاح وسهيل وجعفر والذين عبدالمنعم مسؤل الضيافة كان هؤلاء الفرسان وحدهم يقاتلون صبرا جميلا وثقة في النفس وشجاعة في تحمل القصف المدفعي ودانات الاربجي والشوارع خالية من السيارات وعمال وأمناء المخازن يسهرون حتى الليل لتوزيع ماتجود به الولايات دعما للخرطوم الوالي أحمد عثمان حمزه بجسده النحيل وهمته الكبيرة وشجاعته في مواجهة الموت ومعه ثلة محدودة جدا من الضباط الإداريين الشجعان والدكتور محمود القائم وزير الصحة وصديق فريني والدكتور وزير التربية والتعليم الرجل الأمة قريب الله الذي كان ياتي من الريف الشمالي يقود سيارة بوكس متهالك بنفسه الولاية لاتملك الا ثلاثة سيارات أحدهما للحراسة وثانيه للإعلام ومدير المكتب وثالثة عربة برادو قديمة مخصصة للوالي ناتي اليه عدد قليل جدا من الصحافيين نجلس معه وياتي الفطور عدس وسلطة والغداء سليقه فاصوليا وطاقم مكتب الوالي يقيمون في ذات مكتبهم الليل طويل والنهار تظلل السماء دخان المعارك يتساقط الشهداء والجرحى من أجل أن يبقى الوطن وامس كانت صورة أخرى حيث المكتب الانيق والقاعة التي تتسع لأكثر من سبعين من الرجال والنساء عادت للولاية روحها وتضاعف عدد الموظفين وأصبح هناك اجتماعات لمجلس الوزراء أسبوعيا واجتماعات للجنة الطواري والامن واجتماعات للجنة الفريق إبراهيم واختلفت اللغة والاهتمامات كانت الاجتماعات في جامعة كرري تبحث كيفية دفن الجثث وتوفير المياه وحبوب الضغط والسكر وتامين حي الثورة وتقدم القوات المسلحة حتى مقابر أحمد شرفي واليوم اجتماعات لجنة الطواري تبحث توزيع ٤٠٠ محول كهربائي لانارة احياء بري واللاماب وبدأت ثلاثة عشر محطة مياه تضخ الماء العزب بعد أن كانت محطة المنارة وحدها وهاتف الوالي يستقبل مئات المكالمات وكذلك الفريق إبراهيم جابر يتوسلون من أجل توصيل التيار الكهربائي وكل منا يقول نفسي نفسي والخرطوم تترقب عودة رئيس مجلس الوزراء وكيفية توفير السكن للقادمين من بورتسودان وجاءت نجوم الصحافة من بورتسودان والقاهرة بعد أن لفظتهم الحرب من بيد إلى بيدلكنهم الان عائدون لوطنهم مدينتهم والأمل في عيون حسانهم بأن الغد أفضل والحلم قريب والنصر في أعناق الرجال ومقر أمانة الحكومة في مقرن النيلين أصبح قبلة يهرع اليها الناس طلبا لفتح مدارس أو توفير مياه أو تأهيل مستشفيات تبدلت الأولويات وتغيرت ملامح مدينة تخرج من تحت الرماد ولكن والي الخرطوم بعد ثلاثة سنوات لم يخلع الكاكي بعد ولم يستريح لأسبوع في قاهرة المعز ولم يضع عصاه التي لايتوكا عليها ولكنه يهش بها المليشيا صبر رجال حول الوالي على( الجوع الكافر) وعلى المسغبة وقلة مردود الوظيفة ثلاثة سنوات ولم يثبت ان بولاية الخرطوم فسادا في توزيع الإغاثة ولا محاباة لاحد ولايبدد الوالي المال في شراء البضاعة التالفة من سوق السياسية حتى أصبحت ولاية الخرطوم هي المثال الذي يسعى اليه آخرين ومن تربيزة صغيرة وكراسي مهترئة الي قاعة كبيرة باردة تبدلت الصورة وتغيرت اشياء واصبحت خرطوم اليوم غير خرطوم الأمس
