من أعلى المنصة ياسر الفادني *المليشيا… سيف المتنبي، ونواح الشريف الرضي، وهجاء الحطيئة!*
من أعلى المنصة
ياسر الفادني
*المليشيا… سيف المتنبي، ونواح الشريف الرضي، وهجاء الحطيئة!*

ليست المليشيا حالة عسكرية بقدر ما هي حالة أدبية مشوّهة، نصٌّ رديء كُتب بلا وزن، وملحمة مُدّعاة تنتهي دائمًا في الهامش، وحين تبحث لها عن توصيف دقيق، لا تجد أصدق من استعارة ثلاثة من أعلام الشعر العربي: المتنبي، والشريف الرضي، والحطيئة… لا على سبيل الشرف، بل على سبيل الفضيحة
المتنبي، شاعر الكبرياء المفرط، قال بيته الشهير:
الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني… والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ
ثم حين حاصرته الحقيقة، وحين واجه الاختبار الحقيقي، حاول الهرب، فقيل له: أتهرب وأنت القائل؟ فعاد… لا شجاعةً، بل خجلًا من قوله، فكان مقتله على يد فاتك الأسدي
ذلك المشهد وحده يكفي لتلخيص حال المليشيا: ضجيج في الادّعاء، وفرار عند الملاقاة. سيفٌ يُرفع في الخطب، ويُلقى أرضًا عند أول تماس، جبنٌ متلفّع ببلاغة مسروقة، وشجاعة لا تظهر إلا في البيانات
أما حين تُهزم المليشيا، وحين تسقط أقنعتها في الميدان، فإنها تتحول فورًا إلى الشريف الرضي؛ بكاءٌ جماعي، ونواحٌ سياسي، ولطمٌ إعلامي، واختلافٌ بين القادة كاختلاف الراثين حول الجثمان:
هذا يتهم ذاك بالخيانة، وذاك يلعن الإمداد، وثالث يبكي الحظ، ورابع يفتش عن شماعة خارجية. لا مراجعة، لا اعتراف بالهزيمة، فقط نواح طويل على سلطة لم تكتمل، وغنيمة لم تدُم ،تمامًا كما في شعر الرضي: حزن بلا نهاية، ودموع بلا أثر، وكأن البكاء مشروعهم الوحيد بعد كل صفعة تتلقاها المليشيا من القوات المسلحة
ثم يأتي الدور الثالث… دور الحطيئة….الحطيئة لم يكن شاعر مديح، بل شاعر فضح! لسانه سيف المجتمع حين يعجز السيف الحقيقي، وحين قال:
يَلوكُ الثناءَ إذا امتلأتْ يداهُ
كما تلوكُ البهيمةُ العُشبا
كان يصف نموذجًا لا يعيش إلا على الغنيمة، ولا يعرف قيمة إلا بقدر ما يُعطى ، هذا هو حال المليشيا اليوم في نظر الشعب السوداني: هجاء شعبي واسع، ساخر، لاذع، لا تكتبه الدواوين بل تردده الشوارع، شعبٌ رأى، وذاق، وجرّب، ثم قرر أن يسمي الأشياء بأسمائها، بلا رتوش
إني من منصتي أنظر ….حيث أرى…. هكذا تجتمع الصفات الثلاث في كيان المليشيا :
جبن المتنبي حين خان قوله،
ونواح الشريف الرضي عند الفقد،
وهجاء الحطيئة حين ينطق المجتمع.
