منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

*فليعد للكسرة مجد و لنزرع كل فناء (2-5)* *محمد طلب* 

0

*فليعد للكسرة مجد و لنزرع كل فناء (2-5)*

 

*محمد طلب*

*من الذرة إلى القمح حين تغيّر العيش وتغيّرت معه الحكاية*

كانت الكسرة هي القاعدة والاساس في المائدة السودانية و (صينيتها) و بدونها لا (عيش) وكانت الذرة الرفيعة هي المحصول الغذائي الاساسي بالسودان وهو أساس المأكولات والمشروبات (حلالها وحرامها) بل كان الذرة وطحينه ضرورياً لجمال المرأة ودلالها و (دلكتها) و(خُمرتها) و(العروكة) وهذا باب عريض كبير و مثير لا مجال له الان يعني بصراحة *(دا ما موضوعنا)*

و لكن لم يكن التحول من الذرة إلى القمح مجرد تبديل في المائدة ولا مجرد اختلاف في الذوق بين (كسرة و رغيف) .. بل كان تحولاً أعمق .. مس الاقتصاد .. والسياسة و البيت السوداني نفسه .. من عهود (المحراكة) و حتى الطاحونة ..

الذرة الرفيعة عندنا لم تكن مجرد محصول زراعي بل كانت (عيش) و حياة بالمعنى الحرفي للكلمة فهو ما نعيش به و نحيا عليه .. الذرة الرفيعة مواسم .. غرس .. وحصاد .. و فرحة .. وأغنيات .. و ارتباط وثيق باهل السودان .. و اغنياتهم :-

*الخدير انا ماني حي*
*النقدو الطير انا ماني حي*
*الليل برد انا ماني حي*
*الصيد ورد انا ماني حي*
*بدق العيش بالقمرا أنا ماني حي*
*يا اب راسين نارك حمرا أنا ماني حي*

وعندما يرتبط محصول بالاغنيات فهذا يعني انه إرتباط وجداني عميق يمثل حكايات الناس فتسمع :-

*أبوك تعبان يغزز فى الهواليق*
*يسوق الساقية فى الفجراوى فكة ريقو دفيق*
*يفتل فى الحبال ما خلى شيتا اسمو أشميق*
*يرسل ليك عشان تقرا العلم تلحقنا فى الضيق*
*انت اتاريك فى بلد الترك وليداً مطيليق*
*وا خسارة عيشنا ما أكلو الجراد والحكمة متيق*

حقاً (وا خسارة عيشنا) مع كثرة (المطاليق) ببلاد الترك من اولادنا.. .. *دا برضو ما موضوعنا*

الذرة الرفيعة حكايات تُزرع في مواسمها .. تُخزن في البيوت .. ثم تتحول إلى (كسرة) لا تحتاج إلى سلسلة إمداد طويلة و لا إلى موانئ مفتوحة .. كان الحقل والمخزن و(المطامير) والصاج و(لداياته) دائرة مكتملة داخل الوطن .. حتي صارت مصيبتنا بثالثة الاثافي .. والأثافي هي (اللدايات) نفسها …
لكن مع تمدد المدن.. و تضخم المركز أصبح (الرغيف ) معيار الاستقرار والتمدن و تحول القمح إلى ملف سياسي حساس خاصة في عهد نظام (الجماعة) حيث صار دعمه جزءً من معادلة البقاء و لم يعد السؤال ماذا نزرع؟؟ بل كيف نوفر الخبز في العاصمة؟؟ وهنا تغير مركز الثقل من الحقل إلى المخبز .. عندما تدعم سلعة مستوردة أكثر من سلعة محلية فأنت لا تدعم الغذاء فقط .. بل تعيد تشكيل سلوك المجتمع .. القمح المدعوم جعل الرغيف أرخص نسبياً في بعض الفترات .. فبدأ التحول الاستهلاكي بهدوء .. و تراجع الاستثمار في الذرة .. تقلصت الحوافز .. و تبدلت الأذواق .. ومع الوقت وُلد اعتماد طويل و ممل .. إذا تعطلت الموانئ اهتز السوق .. و إذا ارتفعت الأسعار عالمياً ارتجف الداخل .. لم يعد الأمن الغذائي في يد المزارع .. بل في يد السوق العالمي .. و التبعية .. وغباء هتاف (ناكل مما نزرع) .. بلا عمل وسياسات .. فنحن نزرع (العيش) .. وانتم قلتم (علمناكم الهوت دوق) .. اي اتجاه مغاير للشعار ..

لكن الوجه الاقتصادي ليس كل الحكاية .. هناك وجه آخر أكثر هدوءً .. و أكثر ألماً .. فقد كانت الذرة مدرسة بيتية كاملة .. كانت الأم تُعلم ابنتها صناعة الكسرة و(عواستها) و (العصيدة .. والنشا وام نارين والموص والعكارة و الإبري وو ..) وكل المأكولات والمشروبات المتعلقة بالذرة الرفيعة. لم تكن تلك دروساً في الطهي فقط .. بل نقل معرفة كاملة كيف يُخمر العجين.. متي يوضع (التوار) كيف تُضبط حرارة (الصاج) و كيف يوضع (الطايوق) وما عمل (المعراكة) و كيف تُمسك (القرقريبة) و متي يُصب العجين علي (الصاج) و كيف تُفرد الكسرة رقيقة بلا انكسار و كيف توضع (الطرقة) علي (البرتال) بخفة و رشاقة وكيف تُدار خمارة العجين المر بصبر ودقة .. كانت البنت تكبر وهي تعرف أن الذرة دورة حياة كاملة .. زراعة .. حصاد .. تخزين ..طحن .. إعداد .. و كان البيت وحدة إنتاج لا مجرد وحدة استهلاك .. للاسف تدريجياً و بفعل فاعل تغير المشهد .. و(لا نبرئ انفسنا) خرجت الأمهات إلى سوق العمل .. تقلصت المساحات في البيوت بالمدن .. ثم دخلت المخابز الجاهزة .. و أصبح (الرغيف) أسرع من الصاج .. و لم يعد هناك وقت طويل للتخمير .. و لا صبر على النار الهادئة .. و مع الوقت لم تعد البنت ترى عملية صناعة الكسرة كاملة .. و لم تعد أسرار الآبري و المديدة والعصيدة تنتقل كما كانت .. لم يحدث الأمر بقرار رسمي .. بل حدث بفعل الزمن وضغط الحياة و هيمنة السوق .. وهكذا فقدنا شيئاً أعمق من طبق تقليدي فقدنا حلقة من حلقات نقل المعرفة .. ولم نعمل علي تطويرها و تطوير ادواتها كما تفعل الشعوب العريقة العتيقة .. إذا نظرنا إلى إثيوبيا مثلاً نجد أن (الإنجيرا) المصنوعة من حبوب (التيف) ما زالت في مركز المائدة والوجدان .. لم تُمنع الحبوب الأخرى .. ولم تُغلق أبواب التنوع .. لكن (التيف) ظل محصولاً استراتيجياً تحميه سياسات الدولة بالبحث والدعم وتحافظ عليه الثقافة المنزلية .. فما زالت صناعة (الإنجيرا) مهارة متوارثة تتطور ادواتها مع الزمن و ما زالت الدولة تدرك أن المساس بالمحصول الأساسي مساس بالاستقرار الاجتماعي .. (الانجيرا) مع وجودها بالبيوت تجدها في ارقي المطاعم .. تُقدم بطريقة راقية وحديثة .. الفارق ليس في الحداثة بل في التوازن .. ليس في وجود القمح بل في عدم السماح له بإزاحة (التيف) من عرشه ..
أما عندنا لم يكن القمح خطيئة في ذاته .. فالمدن تحتاج تنوعاً غذائياً .. والقمح جزء من هذا التنوع .. لكن الخطأ كان في تحوله إلى البديل الكامل .. وفي غياب استراتيجية تحافظ على الذرة كعمود أساس….

حين يفقد بلد محصوله الرئيسي فهو لا يفقد طعاماً فقط بل يفقد هامش مناورة .. و يفتح باب تبعية طويلة ممتدة .. من الذرة إلى القمح لم نخسر حبة فقط .. بل خسرنا عادة و مهارة .. وارتباطاً مباشراً بالأرض .. تحولنا تدريجياً من منتجين إلى مستهلكين .. من صانعين إلى منتظرين في الطابور الطويل ….

الرغيف صار مؤشراً سياسياً والدقيق ملف تفاوض .. والدعم ورقة مساومة .. وهكذا امتزج الاقتصاد بالسياسة .. و امتزجت المائدة بالقرار السيادي ..
*السؤال الآن ليس هل نعود إلى الماضي؟؟؟ بل السؤال هو هل نستعيد التوازن؟؟؟ هل يمكن أن (نأكل مما نزرع) و نزرع ما نأكل .. دون أن نغلق أبوابنا على العالم؟؟؟ و هل يمكن أن تعود الذرة إلى مكانها الطبيعي في الحقل والبيت معاً ؟ وأن تعود الأم و لو بوسائل جديدة إلى تعليم ابنتها ما انقطع من السلسلة؟؟*

استعادة الذرة ليست مشروع وزارة فقط .. بل مشروع بيت ومجتمع كامل ليست حنيناً عاطفياً للماضي بل وعياً بأن السيادة تبدأ من (الحبة) و إذا كانت (الغبطة فكرة) كما قالت فلسفة ايليا ابو ماضي فإن (السيادة زرعة ) و الزرعة تحتاج قراراً و تحتاج ثقافة .. و تحتاج صبراً يشبه صبر الأمهات على الصاج القديم و(لداياته) هكذا فقط لا يكون (العيش) ذكرى بل مستقبلاً ليوم بكرة …

سلام
محمد طلب
25/2/2026
mtalab437@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.