*خبر وتحليل | عمار العركي* *العـدوان الإثيوبــي على السـودان:* *إمـا ردع أو الطـوفـان*
*خبر وتحليل | عمار العركي*
*العـدوان الإثيوبــي على السـودان:*
*إمـا ردع أو الطـوفـان*

▪️لم تكن الأطماع لدى الجارة إثيوبيا وليدة هذه المرحلة، بل إن تاريخ العلاقة السياسية يؤكد أنها ممتدة منذ عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي وجدلية ترسيم الحدود بين البلدين . فقد أُطلقت في فترات سابقة تحذيرات عديدة، منذ مظاهر التعديات والخروقات الحدودية على المزارعين و أراضي الفشقة الزراعية السودانية ، مرورًا بفترة الهياج الثوري وما صاحبها من اختراق عناصر إثيوبية لمشهد الثورة، وتوغل الجيش الإثيوبي داخل الحدود السودانية لمسافة تقارب 50 كيلومترًا غداة فجر التغيير، إضافة إلى رعاية إثيوبيا لمسار الوثيقة الدستورية، وصولًا إلى انخراطها السياسي والعسكري في الحرب لصالح مليشيا الدعم السريع وجناحها السياسي “قحت” ومشتقاتها “الجبهة المدنية ، صمود ، تأسيس ”
▪️لم تكن تلك التحذيرات مجرد قراءات متعجلة أو تقديرات سياسية قابلة للأخذ والرد، بل توصيفًا مبكرًا لمسار ظل يتشكل تدريجيًا حتى بلغ اليوم مرحلة العدوان المكشوف، وما يحدث الآن تجاوز حدود الشكوك والتحليلات إلى وقائع ميدانية صلبة، تؤكد أن إثيوبيا، مدفوعة بحسابات داخلية و إقليمية معقدة وتقاطعات مصالح مع أطراف أخرى ، باتت طرفًا فاعلًا في مسرح العمليات داخل السودان، عبر أدوار متعددة تبدأ من الإسناد اللوجستي ولا تنتهي عند توفير منصات إطلاق للمسيّرات التي تستهدف العمق السوداني.
▪️وفي هذا السياق، جاء نجاح سلاح الجو السوداني في تحييد طائرة مسيّرة استراتيجية، بعد أن تسببت خلال الأسبوعين الماضيين في مقتل نحو 34 مدنيًا وإصابة 71 آخرين في ولايتي النيل الأبيض وشمال كردفان، ليكشف بوضوح طبيعة التهديد القائم. فالمسيّرة التي تم إسقاطها في سماء مدينة الأبيض، من طراز “بيرقدار أكينجي”، والمملوكة للدولة الإثيوبية، كانت تنطلق من إقليم بني شنقول، في تطور بالغ الخطورة يؤكد أن مصدر التهديد بات عابرًا للحدود ومسنودًا بإمكانات دولة.
▪️هذا التطور لا يمكن فصله عن مجريات الميدان، حيث تشير المعطيات إلى أن تحركات المليشيا، بما في ذلك الانسحابات التكتيكية من بعض المناطق، لم تعد تعبيرًا عن ضعف بقدر ما هي إعادة تموضع في ظل دعم خارجي يهدف إلى إطالة أمد الحرب وإعادة تشكيل توازناته . كما أن الحديث عن توفير غطاء جوي أو دعم تقني عبر المسيّرات يعزز فرضية الانتقال من الدعم غير المباشر إلى الانخراط شبه المباشر.
▪️وفي قلب هذا المشهد، لا يمكن قراءة التحرك الإثيوبي بمعزل عن شبكة المصالح الأوسع، وعلى رأسها “الإمارات” ، ما يجعل من الجبهة الشرقية ساحة مفتوحة لتصفية حسابات إقليمية، أكثر من كونها مجرد امتداد جغرافي للصراع الداخلي.
▪️ويزداد هذا التعقيد في ظل التحولات الإقليمية الكبرى، خاصة مع تصاعد التوترات المرتبطة بالملاحة الدولية، واحتمالات إغلاق مضيق هرمز، وما يترتب على ذلك من إعادة توجيه خطوط التجارة العالمية نحو البحر الأحمر، وهو ما يمنح السودان موقعًا استراتيجيًا بالغ الحساسية، ويجعل أي اختراق أمني في حدوده الشرقية جزءًا من معادلة دولية أوسع تتجاوز الإطار المحلي.
▪️في المقابل، ورغم تصاعد هذه التهديدات، فإن قراءة موقف الدولة السودانية لا ينبغي أن تُختزل في ثنائية الصمت أو العجز، بل تُفهم في إطار حسابات دقيقة تتعامل مع واقع شديد التعقيد، فالسودان، وهو يخوض حربًا داخلية مفتوحة، يدرك أن الانزلاق إلى مواجهة إقليمية مباشرة قد يفتح جبهات متعددة في توقيت حساس، لذلك يبدو أن خيار الاحتفاظ بحق الرد وتأجيله إلى مرحلة لاحقة بعد استنفاد الأدوات الأخرى، هو جزء من مقاربة استراتيجية تسعى لتفادي التوسع غير المحسوب.
▪️غير أن هذا النهج، رغم وجاهته، يظل محفوفًا بمخاطر التمدد التدريجي للتهديد، خاصة إذا فُهم من قبل الأطراف المعادية باعتباره غيابًا للردع، وهو ما يستدعي الانتقال من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة الردع المحسوب، الذي يرسل رسائل واضحة دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.
▪️إن ما يجري اليوم في شرق السودان لم يعد مجرد تطور عابر، بل مؤشر على تحول نوعي في طبيعة الحرب، من حرب داخلية إلى ساحة تداخل إقليمي مباشر، وهو تحول إن لم تتم مواجهته بأدوات استراتيجية متكاملة، فقد يقود إلى سيناريوهات أكثر تعقيدًا وخطورة.
*_خلاصة القول ومنتهاه_*
▪️إثيوبيا، ومن خلفها شبكة المصالح الإقليمية ، تدفع بالحرب نحو مرحلة جديدة، عنوانها تدويل غير معلن ، واستخدام الجغرافيا السودانية كساحة ضغط وإعادة تشكيل النفوذ.
▪️وبين حسابات التهدئة ومخاطر التصعيد، يبقى الخيار الحاسم هو القدرة على بناء معادلة ردع متوازنة، تحمي السيادة دون أن تنزلق بالبلاد إلى فوضى المواجهات المفتوحة.
