التيار الإسلامي بعد حرب الكرامة : من مكاسب اللحظة إلى استحقاقات النهضة ✍️السفير رشاد فراج الطيب
التيار الإسلامي بعد حرب الكرامة : من مكاسب اللحظة إلى استحقاقات النهضة
✍️السفير رشاد فراج الطيب
أعادت حرب الكرامة تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي في السودان على نحو عميق ، فلم تكن مجرد مواجهة عسكرية ، بل لحظة كاشفة أعادت ترتيب الأولويات ، وفرضت معايير جديدة للشرعية والفاعلية .
وفي خضم هذه التحولات ، برز التيار الإسلامي من جديد في المجال العام ، بعد أن كاد يُدفع إلى هامش العزلة السياسية والاجتماعية والاقصاء والتصنيف السياسي من القوي والجهات المعادية له .
لقد مثّلت الحرب ، من حيث – لا يُراد لها – مدخلًا لكسر تلك العزلة ؛ إذ عاد التيار الإسلامي عبر خطاب التعبئة والدفاع عن الوجود والدولة ، واستعاد قدرًا معتبرًا من شرعيته الوطنية ، مستندًا إلى ما قدمه من تضحيات ومواقف صلبة قديما وحديثا .
ولم يعد يُنظر إليه كما في السابق باعتباره – مجرد امتداد للنظام المنصرم – بل كأحد مكونات القوة الوطنية القادرة على الإسناد والتعبئة ، خاصة في ظل الحاجة القتالية التي أعادت الاعتبار لدور الكتائب المدنية والعسكرية .
كما أسهمت الحرب في تذويب خطاب الإقصاء و الثورة ( المصنوعة ) ، حيث تقدمت أولوية بقاء الدولة والمجتمع على ما سواها من شعارات ، بما في ذلك شعارات الانتقال المدني الديمقراطي .
غير أن هذه المكاسب ، على أهميتها ، تظل بطبيعتها مكاسب مرحلية ، لا يمكن التعويل عليها بوصفها تحولات استراتيجية دائمة .
ومن هنا ينهض السؤال الأهم وهو كيف يعود التيار الإسلامي وبأي مشروع ؟
أهو عودٌ إلى مربع الشراكة السلطوية والحكم ، أم انطلاق نحو أفق نهضوي أرحب ؟
إن مقتضى النظر الاستراتيجي يقطع بأن العودة ، إن لم تكن عودة مختلفة في مضمونها ووظيفتها ، فلن تكون إلا إعادة إنتاج تجارب الماضي .
ذلك أن مرحلة ما بعد الحرب ليست امتدادًا لما قبلها ، بل طور جديد تتشكل فيه الدولة والمجتمع معًا ، على أنقاض ما خلّفته الحرب من دمار مادي وتفكك قيمي وانقسام اجتماعي عميق .
وفي هذا السياق ، تبرز ضرورة عودة التيار الإسلامي لا باعتباره خيارًا سياسيًا ، بل كحاجة موضوعية يفرضها واقع المجتمع نفسه وحاجته لقواه الحية .
فالتيار الإسلامي ، بما له من امتداد اجتماعي وثقافي عريض ، يمثل أحد مكونات التوازن في البنية السودانية ، وإقصاؤه لا يُنتج استقرارًا ، بل يُبقي معادلة الاختلال والصراع قائمة .
كما أن مرحلة ما بعد الحرب تتطلب قوى قادرة على إعادة بناء الثقة وترميم النسيج الاجتماعي ، وهي مجالات راكم فيها هذا التيار خبرة معتبرة .
غير أن هذه الضرورة لا تمنح شرعية مطلقة ، بل تضع أمام التيار الإسلامي استحقاقًا أعظم هو استحقاق التحول من مشروع سلطة إلى مشروع نهضة شاملة ومتوازنة .
أول هذه الاستحقاقات ترشيد الارتباط البنيوي مع المؤسسة العسكرية ، والانتقال من موقع الشريك السلطوي إلى موقع الداعم الوطني ، بما يؤكد الانحياز للدولة كمفهوم جامع وشامل ، لا لمؤسسة بعينها ، ويجنب التيار شبهة التوظيف السياسي للحرب .
وثانيها إعادة تعريف المشروع ذاته ، بالتحول من السعي للسيطرة على السلطة إلى بناء مشروع إصلاحي مجتمعي واسع ، ينفذ إلى عمق المجتمع عبر العمل الأهلي والنقابي ، والتعليمي ، والاقتصادي ، مستلهمًا المقاصد الإسلامية والوطنية في تحقيق العدالة والتنمية والتكافل .
وثالثها تجديد الخطاب السياسي ، بالانتقال من أدبيات التمكين والشعارات الأيديولوجية إلى خطاب نهضوي جامع ، يقوم على العيش المشترك ، والتداول السلمي للسلطة والشراكة ، والاستقرار السياسي ، والعدالة الاجتماعية ، والسيادة الوطنية ، مقرونًا بمشروع جاد للمصالحة الوطنية .
ورابعها ترسيخ مبدأ التعدد ، والانفتاح على التداخل والتواصل والتوافق مع سائر القوى السياسية الوطنية ، في إطار ميثاق يؤسس لعيش سوداني مشترك .
وخامسها الاستعداد لطبيعة الصراع القادم ، الذي يُرجح أن ينتقل من ميدان السلاح إلى ميدان السياسة والاجتماع ، حيث ستواجه الدولة ومعها التيار الإسلامي تحدي التدخلات الخارجية ، من بينها سلاح التصنيف والتشويه .
غير أن الأدوار المنتظرة من التيار الإسلامي لا تقف عند حدود إعادة تعريف ذاته ، بل تتجاوز ذلك إلى الإسهام الفاعل في معالجة آثار الحرب نفسها .
ففي المجال الاجتماعي ، يُنتظر منه أن يكون فاعلًا في ترميم النسيج الوطني ، عبر مبادرات المصالحة ، وتخفيف حدة الاستقطاب ، وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع .
وفي المجال القيمي ، تبرز مسؤوليته في إعادة الاعتبار لمنظومة الأخلاق العامة ، في مواجهة ما أفرزته الحرب من عنف وتفكك وانفلات ، من خلال خطاب متوازن جامع لا إقصائي .
أما في المجال الاقتصادي ، فإن دوره في تنشيط العمل الأهلي والاقتصاد المجتمعي يصبح حاسمًا ، عبر دعم المبادرات المحلية وشبكات الإسناد ، وتعزيز ثقافة الإنتاج والتكافل ، بما يسهم في التخفيف من آثار الضغط الاقتصادي .
وفي المجال السياسي ، يُنتظر منه أن يكون عامل استقرار لا عنصر توتر ، عبر تبني نهج معتدل يدعم التداول السلمي للسلطة ، ويسهم في بناء عقد وطني جديد .
وفي المجال الخارجي ، فإن تقديم نموذج سياسي منضبط ومتوازن قد يسهم في تقليل فرص استهداف البلاد عبر أدوات الضغط والاختراق الدولي للأمن الوطني والقومي ، ويعيد صياغة صورة التيار في الوعي الإقليمي والدولي بشكل عادل .
إن جوهر التحدي لا يكمن في مجرد العودة ، بل في طبيعة هذه العودة ، أهي عودة إلى الدولة عبر بوابة السلطة ، أم عودة إلى المجتمع عبر مشروع الفكرة والنهضة ؟
ذلك أن التيار الذي يعود إلى المجتمع قبل الحكم ، ويستعيد حضوره عبر خدمة الناس وبناء الثقة واعتماد مباديء الشفافية والمحاسبة ، هو وحده القادر على التحول من مشروع سلطة عابر إلى مشروع حضاري متجدد .
أما العودة الفردية إلى مؤسسات الدولة ، دون سند شعبي أو برنامج وطني متكامل ، فلن تكون سوى سراب سياسي محدود الأثر سرعان ما يتبدد .
وعليه ، فإن ما بعد حرب الكرامة ليس فرصة للعودة فحسب ، بل امتحان تاريخي لإعادة التأسيس ، إما أن ينجح التيار الإسلامي في التحول إلى قوة نهضوية جامعة ، أو يظل أسيرًا لدورات الصعود والانكفاء التي أنهكت التجربة وأعاقت نجاحها واكتمالها .
