منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

*البعد الاخر* *د مصعب بريــر* *انتحار على الهواء: حين يغتال «الناشط» هيبة رجل الدولة ..!*

0

*البعد الاخر*

*د مصعب بريــر*

*انتحار على الهواء: حين يغتال «الناشط» هيبة رجل الدولة ..!*

 

هل تابعتم تلك المواجهة التلفزيونية المثيرة للجدل؟ المشهد كان دالاً للغاية؛ وزير الإعلام يقف في كامل أناقته الرسمية، بصوت عالٍ وحركات يد منفعلة، بينما يجلس أمامه المذيع بهدوء تام، تعلو وجهه نصف ابتسامة، ليلقي سؤالاً بارداً ومقتضباً: “هل لك أن تعطينا أمثلة؟”. لم يتردد الوزير لحظة، بل سارع بتقديم تفاصيل عن زيادة باقات هواتف بعض الوزراء. في تلك اللحظة العابرة، لم تكن المعركة بين دولة وقناة إخبارية، بل كانت مواجهة نفسية بحتة بين “الناشط” القديم و”رجل الدولة” الجديد، وللأسف، الناشط هو من انتصر في هذه الجولة.

هنا يكمن الفارق الدقيق الذي يفصل بين العالمين. الناشط تقتضي مهمته أن يرفع صوته، أن يكشف المستور، وأن ينتزع التفاعل اللحظي من الجماهير. أما رجل الدولة، فمهمته الأولى هي حماية الكيان، ضبط التوازنات، وكسب المعارك الاستراتيجية للبلد. الناشط يبحث دائماً عن الكلمة التي تشعل الحماس، بينما يبحث رجل الدولة عن العبارة التي تطفئ الحرائق. لقد دخل الوزير إلى الاستوديو وهو لا يزال يحمل عقلية منصات التواصل، متناسياً أنه لم يعد يمثل صفحته الشخصية، بل يقف متحدثاً باسم دولة بأكملها تتأرجح حالياً على حافة الهاوية.

لماذا وقع الاعيسر في هذا الفخ؟ ببساطة لأنه استلم حقيبة وزارية استثنائية في ظرف غير عادي. وزارة الإعلام في زمن الحرب ليست مجرد مكتب لإصدار البيانات، بل هي المصنع الحقيقي للسردية الوطنية. والخصم هنا ليس مبتدئاً، بل آلة إعلامية دولية تمرست في مئات الصراعات، وتعرف جيداً كيف تصنع زعيماً أو تسقط نظاماً بمجرد زاوية كاميرا وسؤال ملغوم. الوزير حديث عهد بمقعده، وما زال يحتفظ بداخله بلياقة اللاعب الذي يسدد ضربات سريعة، والمحاور أدرك ذلك بذكاء. لم يهاجمه، بل فتح له الباب بسؤال عن المدافعين المأجورين، فابتلع الوزير الطُعم كاملاً.

النتيجة كانت هفوة إعلامية موثقة يصعب تداركها. بدأ الحديث بانفعال عن أولئك الذين يدافعون عن الجيش طمعاً في المال العام، وطالبهم بالصمت. ثم انزلق نحو اعترافات مجانية عن تواصل البعض ليلاً طلباً للأموال، وكيف تحولوا لمهاجمته حين لم يجدوها. زاد على ذلك بوصف نفسه بأنه جاء لهذه الدولة كانتحاري يقود وحده ولا يخاف شيئاً. هذا النوع من الحديث لا يُعد معلومة تفيد الرأي العام، بل هو بوح مجاني يخصم من هيبة المنصب. حتى تلك الجملة العابرة عن “غداء قبة البرلمان” تحولت إلى مادة للتندر، وسحبت من رصيد الدولة أكثر مما أضافت لشفافيتها.

الخطورة لا تكمن في زلة لسان، بل في نمط متكرر يبدو وكأنه يحرق هيبة الوزارة منهجياً. قبل أيام، وفي نفس الكرسي ومع ذات المذيع، جلس قائد ميداني عائد حديثا من التمرد لحضن الوطن، وتحول اللقاء إلى مادة للسخرية، وها هو الوزير يسير في ذات الدرب. القنوات المحترفة لا تحتاج لاختلاق الأكاذيب، بل يكفيها أن تستدرجك لتتحدث أكثر من اللازم. لو نظرنا لتجارب الدول، سنجد في أزمة قطر عام 2017 كيف سُئل وزير خارجيتها مراراً عن تمويل الإرهاب، فكان يكتفي بهدوء بطلب الدليل، دون أن يمنحهم اسماً واحداً. وفي أمريكا، كان المتحدث باسم البيت الأبيض يواجه صراخ الصحفيين بعبارة “لا تعليق”، لأنهم يدركون أن الميكروفون فخ، وأن الصمت هو أبلغ بيان رسمي.

هذه التفاصيل لا تبتعد كثيراً عن هموم المواطن البسيط، كالبائع في أسواق أم درمان مثلاً. حين يسمع هذا المواطن وزيره يصف نفسه بالانتحاري، فإنه لا يشعر بالشجاعة، بل يتسرب إليه القلق بأن سفينة الدولة تفتقر للقبطان الرزين. الكلمة التي تخرج من فم مسؤول في زمن الحرب تنطلق أسرع من الرصاصة، تُقتطع في المحادثات، وتُعلق كشواهد في غرف عمليات العدو. الناس في الأزمات الطاحنة لا تبحث عن مسؤول يجيد الشجار مع المذيعين أو تسجيل النقاط الوهمية، بل تتوق لرجل يطمئنها بأن أجهزة الدولة ما زالت تدير المعركة بعقل بارد وحكمة بالغة.

إذن، كيف يمكن تصحيح المسار، لارتداء عباءة رجل الدولة بحق؟ الأمر يتطلب ثلاث خطوات واضحة ومباشرة. أولاً، التوقف عن توزيع الاتهامات المجانية، فالدولة لا تحاكم خصومها عبر شاشات التلفاز. ثانياً، السيطرة التامة على الانفعال، فالمذيع يجلس على جليد مهني، ولا يجب أن تحترق أنت بنيرانه. ثالثاً، الكف عن التبرع بالمعلومات، فقد كان يكفيه جملة واحدة هادئة تؤكد أن هناك حملات مدفوعة والقانون سيأخذ مجراه، ليغلق الباب محتفظاً بهيبة موقعه. الفرصة ما زالت مواتية أمام الوزير ليتعلم من هذه العثرة، فلديه الحماس والوطنية، لكنه يحتاج لترويض عقلية الناشط لتبدأ مسيرة الوزير.

بعد اخير:

خلاصة القول، يجب إدراك أن السياسة ليست حلبة مصارعة ننتظر فيها الضربة القاضية، بل هي رقعة شطرنج طويلة ومعقدة تحتاج لبال طويل وصمت محسوب. الميكروفون يمكن أن يمنحك مجداً زائفاً لليلة واحدة، لكنه قادر على هدم ثقة تُبنى في سنوات إذا غابت عنه الحكمة.

وأخيرًا، الفارق سيظل دائماً في البوصلة التي توجه الكلمات عندما تشتد الأزمات وتختلط الأوراق. الناشط يلهث خلف تصفيق اللحظة ليصنع بطلاً عابراً، بينما رجل الدولة يبتلع كبرياءه ويبني وطناً يعيش بعد اللحظة.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الاثنين | 26 مايو 2026م
musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.