بين “زين” الرواية و”زين” 2026: عن عشقٍ أطفأ أنوار أم درمان ️ شرف محمد الحسن
بين “زين” الرواية و”زين” 2026: عن عشقٍ أطفأ أنوار أم درمان
️ شرف محمد الحسن

مقاربة بين مشهد من رواية عرس الزين، وقصة عريس الابراج.
بينما ينشغل الناس بهموم الوجود التي تفرضها ويلات الحرب والنزوح، وتحت وطأة القلق الذي يسكن القلوب؛ ضجت “الأسافير” بقصة شابٍ أعاد للأذهان زمن الأساطير. صعد “عريس الأبراج” إلى قمة برج كهرباء للضغط العالي، في مشهد يجمع بين اليأس والتمرد، مهدداً بالرحيل الأبدي أو الظفر بمن يعشق.
هذا المشهد يعيدنا قسراً إلى عبقرية الروائي العالمي الطيب صالح في روايته (عرس الزين)، حين صوّر تلك اللحظة الفارقة قائلاً:
((كان الزين أول من نبه شبان البلد إلى جمال عزة، ارتفع صوته فجأة ذات يوم في جمع عظيم من الرجال نفرهم العمدة لإصلاح حقله، ارتفع صوته المبحوح الحاد كما يرتفع صوت الديك عند طلوع الفجر: “عوك يا أهل الحلة، يا ناس البلد، عزة بنت العمدة كاتلالها كتيل، الزين مكتول في حوش العمدة”))
كان ذلك في العام 1966م، في فضاء “ود حامد” المتخيل، حيث كان العشق يكسر رتابة القرية الهادئة.
أما اليوم، وفي قلب أم درمان الصابرة -مارس 2026- وبينما يحاول الناس إضاءة فوانيس بيوتهم بعد عتمةٍ طالت بسبب “مسيرات السماء”، يطلُّ علينا “زين” نسخة 2026 ليكرر ذات الطقس الجنوني، صعد العاشق من الأرض -وقد تكحّلت عيناه بتعب ميئوس وتمرّغت قدماه بغبار متهتك- ليعانق أعلى برج للكهرباء. وهناك، من عليائه، صاح بذات النبرة التي هزت “ود حامد” قديماً:
“يا ناس الحي.. نادوا لي العمدة (الوالي).. أنا مكتول وعاشق، وعايز أعرس ولا أموت!”
بذات الدهشة المذهلة التي أصابت “العمدة” والد عزة في رواية (عرس الزين)، اندهش الناس في أحياء أم درمان. لكنها هذه المرة جاءت دهشة ممزوجة بالعتمة؛ فقد انقطع التيار الكهربائي فجأة بسبب “زين” نسخة 2026.
تعالت الأصوات المنهكة، المبحوحة، وهي ترجوه أن ينزل، بينما تلهفت كاميرات الموبايل البائسة لالتقاط صورٍ لم يزدها الظلام إلا ضياعاً.
هكذا كان المشهد..
غير أن الدهشة في أم درمان لم تعد كما كانت؛ فقد تلاشت معالمها تحت وطأة المواقف والأهوال التي جعلت كل “عجيب” يبدو “عادياً”، فما بعد الأهوال إلا الموت.
بالعودة عبر الزمن لنعرف ما الذي دفع “الزين” لتفجير عشق “عزة بت العمدة” من صدره، يخبرنا الطيب صالح عن أوصافها فيقول:
((كانت عزة ابنة العمدة في الخامسة عشرة من عمرها وقد تفتح جمالها فجأة كما تنتعش النخلة الصبية حين يأتيها الماء بعد الظمأ. كانت ذهبية اللون مثل حقل الحنطة قبيل الحصاد، وكانت عيناها واسعتين سوداوين في وجه صافي الحسن، دقيق الملامح، ورموش عينيها طويلة سوداء، ترفعهما ببطء فيحس الناظر إليها بوخز في قلبه))
تلك هي عزة التي أشعلت النار في قلب الزين قديماً.. ولكن، ماذا عن “عزة نسخة 2026″؟ هل حملت ذات المواصفات التي جعلت معشوقها يصعد إلى أعلى الأبراج منادياً “الوالي”؟
لا أدري.. ربما اختلفت المعايير وتبدلت الأوصاف، لكن الشاهد أن العشق واحد، وإذا تمكن من القلب رأى “القرد في عين أمه غزالاً”.
يقول الطيب صالح في روايته:
((فوجئ الناس بتلك الجرأة. والتفت العمدة بعنف ناحية الزين وقد تحرك غضب غريزي في صدره. وفجأة كأنما الناس كلهم، في آن واحد، أدركوا التباين المضحك بين هيئة الزين، وهو واقف هنالك كأنه جلد معزة جاف، وبين عزة بنت العمدة، فأنفجروا ضاحكين كلهم في آن واحد. ومات الغضب في صدر العمدة))
كانت تلك نهاية قصة صعود الزين إلى قمة النخلة مجاهراً بعشقه.. أما “زيننا نسخة 2026″، فلم تصلنا أنباء عن موقف “العمدة/ الوالي” منه؛ هل تحرك غضبه وأمر أفراد أمنه باعتقاله؟ أم اعتبرها مجرد “محنة” من محن الزمان الذي تكالب علينا بغرائبه، حتى صرنا نرى أساطير التاريخ تتحقق عياناً، من لدن “يأجوج ومأجوج” وحتى “عشق الزين”.
الحقيقة الوحيدة القابعة في قلوب الناس، أن انقطاع الكهرباء بسبب “زين 26” تركهم في ظلام حالك، يلعنون محن الزمان.. ما بين “زين” و”شين”.
