منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

توزيع السكن الشعبي في الخرطوم إعادة إنتاج الكارثة بعقلية لم تتعلم  محمد بلال كوداوي 

0

توزيع السكن الشعبي في الخرطوم إعادة إنتاج الكارثة بعقلية لم تتعلم

 

محمد بلال كوداوي

 

ما يحدث اليوم من سياسات تتعلق بتوزيع السكن الشعبي في الخرطوم ليس مجرد خطأ إداري عابر بل هو إصرار مدهش على إعادة إنتاج نفس الأسباب التي قادت إلى الانهيار الكبير قبل الحرب. كأن الدولة لم ترَ، ولم تسمع، ولم تعِ حجم الكارثة التي حلت بالعاصمة حين تحولت إلى كتلة هشة من التكدس السكاني والاختلال الاقتصادي والانفجار الاجتماعي.

قبل الحرب، كانت الخرطوم تضم ما يقارب ربع سكان السودان أي نحو عشرة ملايين نسمة.
هذا الرقم وحده كافٍ ليكون جرس إنذار لأي دولة تمتلك الحد الأدنى من الوعي التخطيطي.
لكن بدلاً من معالجة هذا الاختلال تم تعزيزه بسياسات سكنية عشوائية تُغري المواطنين بترك الريف المنتج والتوجه نحو العاصمة المستهلكة.

أي منطق هذا الذي يدفع بالمزارع إلى هجر أرضه؟وأي رؤية هذه التي تُحوّل المنتج إلى مستهلك؟

الدولة بدل أن تدعم الريف بالبنية التحتية والخدمات قامت بعكس المعادلة تمامًا: سحبت الناس من مناطق الإنتاج إلى مناطق الاستهلاك. وزعت الأراضي، ومنحت البيوت الجاهزة وفتحت أبواب الهجرة الداخلية على مصراعيها دون أي تصور استراتيجي لمآلات هذا التكدس.

والنتيجة؟عاصمة متخمة واقتصاد مختنق ومجتمع مفكك.

الخطأ الأكبر لم يكن فقط في تضخم الخرطوم سكانياً بل في تركيز كل شيء فيها:الإدارة، التجارة، الصناعة، الخدمات، وحتى القرار السياسي.وُضعت كل مقدرات الدولة في سلة واحدة، ثم تُركت مكشوفة، بلا حماية ولا توزيع. وعندما جاءت الحرب، لم يكن التدمير مفاجئاً، بل كان نتيجة منطقية لهذا التمركز الغبي.

لقد سقطت الخرطوم بسرعة، ليس فقط بسبب السلاح، بل بسبب هشاشتها البنيوية.سقطت لأنها كانت دولة داخل دولة، تحمل كل الأعباء، وتختزن كل التناقضات.

ثم نأتي إلى البعد الاجتماعي، وهو الأخطر.سياسات السكن الشعبي داخل العاصمة لم تكن مجرد حلول إسكانية، بل كانت أدوات لإنتاج التفاوت. خلقت أحياءً كاملة قائمة على الفقر، وأخرى قائمة على الامتياز، دون عدالة أو توازن. هذه الفجوة لم تبقَ صامتة، بل تحولت إلى احتقان، ثم إلى حقد طبقي انفجر في لحظة الفوضى.

ما حدث من نهب وتخريب لم يكن مجرد انحراف أخلاقي، بل كان انعكاسًا لخلل عميق صنعته الدولة نفسها.حين تُدار المدن بلا عدالة، فإنها تنفجر من داخلها.

والآن، بعد كل هذا الخراب، تعود نفس العقليات لتطرح نفس الحلول:توزيع سكن شعبي في الخرطوم، وكأن شيئًا لم يكن.

لا مراجعة.لا نقد.لا اعتراف بالخطأ.

وهنا تكمن المأساة الحقيقية.
الدولة الراشدة لا تعيد إنتاج الفشل، بل تتعلم منه.الدولة العاقلة لا تكدّس الناس، بل توزّع التنمية.الدولة التي تفهم مستقبلها، تذهب إلى الريف، لا تسحب الريف إليها.

الحل ليس في بناء المزيد من الأحياء في الخرطوم، بل في تفكيك مركزيتها.في إنشاء أقطاب تنموية حقيقية في الولايات.في إعادة الاعتبار للإنتاج الزراعي والصناعي خارج العاصمة.في ربط المواطن بأرضه، لا فصله عنها.

إن استمرار هذه السياسات يعني ببساطة أننا نسير نحو كارثة جديدة، ربما تكون أشد قسوة من سابقتها.

السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم وبوضوح هل نحن دولة تتعلم من أخطائها أم سلطة تدور في حلقة مفرغة من الفشل؟

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.