منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

ماراثون البرهان في جغرافيا الوصول لكل مواطن و لكل جندي .. الشاذلي حامد المادح

0

ماراثون البرهان في جغرافيا الوصول لكل مواطن و لكل جندي ..

 

الشاذلي حامد المادح

في ظل هذه الحرب و منذ إندلاعها و حتى الأن ، نستطيع أن نقول أن الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان قد أعاد تعريف مفهوم (القيادة من الميدان) ، محطماً الصورة التقليدية للرئيس الذي يدير الأزمات من خلف الجدران الصماء .. لم تكن المسافة بينه و بين شعبه و جنده تُقاس بالأمتار ، بل كانت (صفراً) حقيقياً .. تجده في بيت الضيافة مقاتلاً يحمل سلاحه قبل رتبته و تجده في موقف الكلاكلة مواطناً يجلس على الأرض ليشرب (العرديب) مباشرة من بائعه .. و تجده في “شكيري” أباً مكلومًا يجلس على (برش) العزاء .. لقد أثبت البرهان أن هيبة الدولة لا تكمن في التعالي ، بل في القدرة على أكل طعام الناس و “بالموجود” و مقاسمة الجندي أزيز الرصاص و ضجيج المروحيات ، محولاً “الرئاسة” من وظيفة بروتوكولية إلى حالة تلاحم وجداني و جسدي مع الأرض و الإنسان .

*رمزية الأرقام ..*

بينما كان العالم يراقب الخرائط ، كان البرهان يطويها . و قد كشفت إحصائيات تقريبية عن هذه الحرب – قمت أنا بحسابها – عن جهد بدني و عملياتي مذهل و معدلات قياسية من الزيارات الميدانية و الطواف داخل ميادين المعركة و وسط المواطنين في قراهم و مدنهم و أماكن نزوحهم ، قطع البرهان فيها ما يتجاوز المئة و سبعين ألف كيلومتر .. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاء للسفر ، بل هي “طواف حول كوكب الأرض” اربعة مرات و ربع . و هي بحساب طائرة هليكوبتر تقليدية ، تبلغ السرعة المعتادة لمعظم المروحيات (مثل Bell 412) حوالي 220 كم/ساعة . الزمن المستغرق فيها حوالي 772 ساعة ، تعادل حوالي 32 يوماً و نصف من الطيران المتواصل .. هي مسافة نُحتت في أجواء مفتوحة و محفوفة بالمخاطر ، حيث لم يكن عداد الكيلومترات يسجل سرعة الطائرة ، بل كان يسجل سرعة إستجابة القائد لجراح وطنه و كرامة مواطنيه و سلامة جنده .

*نماذج عالمية لهكذا حراك*

هذا النهج “البرهاني” يضعه في قائمة الزعماء الذين إستمدوا شرعيتهم من غبار الطرقات ، مقتفياً أثر قادة غيروا وجه بلادهم بالحركة لا بالسكون :

رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي : في حملته الإنتخابية عام 2014م قطع مسافة تزيد عن 300 ألف كيلومتر و ألقى خطابات في أكثر من 5800 موقع (سواء حضورياً أو عبر تقنية الهولوغرام) . و في حملته في العام 2024م ، قطع مسافة تتراوح بين 140 ألف إلى 160 ألف كيلومتر .

السلطان قابوس بن سعيد : الذي جعل من جولاته السنوية و مخيماته في الصحراء و الوديان العمانية برلماناً مفتوحاً للإستماع المباشر للمواطن .

فيديل كاسترو : الذي كان يقود (الجيب) بنفسه ليخترق مزارع قصب السكر ، مؤمناً أن عين الرئيس هي أصدق من كل التقارير .

جواهر لال نهرو : (معلم الهند) الذي قطع ألاف الكيلومترات وسط الزحام البشري ليوحد أمة بكلمة و مصافحة .

هوغو تشافيز و شي جين بينغ : اللذان تشاركا في فلسفة (دخول البيوت) حيث تُقاس قوة الدولة بمدى قرب الرئيس من (مطبخ الفلاح) و تفاصيل حياته اليومية .

*خطاباته وسط زحام مواطنيه و جنده*

لم تكن خطابات البرهان خلال هذا الطواف مجرد نصوص دبلوماسية ، بل كانت (طلقات موجهة) . إتسم خطاباته في وادي سيدنا أمام جنده و في أم روابة و عطبرة و مدني أمام مواطنيه ، إتسم بالعفوية و الصرامة في آنٍ واحد .. لقد خاطب الوجدان السوداني بلغة الأرض و العرض ، معلناً بوضوح أن (السودان ما بعد 15 أبريل ليس كما قبله) .. كانت رسائله السياسية و العسكرية و الإجتماعية تخرج من وسط الجماهير ، مما منحها شرعية الميدان .. فخاطب المقاومة الشعبية بلغة الفداء و خاطب المتمردين بلغة الحسم و خاطب المواطن بلغة الأمن و الأمان مؤكداً في كل محطة أن القائد الذي يشارككم (لقمة العيش) لن يخذلكم في (معركة الكرامة) .

إن هذه المئة و سبعين ألف كيلومتر أثبتت أن (حبال الوصل) بين القيادة و القاعدة في السودان أقوى من كل محاولات التفتيت .. لقد ذهب البرهان ليقرأ الواقع في عيون الناس في (ود الزاكي) و (شبشة) و (شكيري) ، ليؤكد للعالم أن الدولة السودانية ، رغم جراح الحرب ، لا تزال تمتلك أجنحة لا تكِلّ عن الطواف لحماية مواطنيها و مواساتهم في كل شبر من أرض الوطن .

*ما دفعني لأكتب ..*

ما دفعني لكتابة هذه المقالة هو عنصر المفاجأة الذي لا يغيب أبداً ، ففي (شبشة) حدثني صاحب السيارة (الأفانتي) التي أقلت البرهان كيف بدأت القصة بمشهد غير متوقع .. لاحظوا هبوط طائرة هليكوبتر في ساحة قريبة من منزلهم ، فهرعوا نحوها ظناً منهم أنها تخلي مصابين ، إذ لا تفسير سوى ذلك ، لكن الذهول تملكهم حين رأوا الرئيس البرهان يهبط منها بكل بساطة ، ليصعد في أول سيارة متوفرة طالباً الذهاب إلى مسيد الشيخ العبيد (رمز ذلك المكان) . إن هذا الموقف العفوي ، مضافاً إليه حقيقة أن مدينتنا لم يزرها رئيس منذ نشأة الدولة السودانية غير الأزهري و النميري .. هذا ما أستوقفني و دفعني لأرسم صورة الطواف الكامل في كل شبر من أرض الوطن .

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.