البعد الاخر د مصعب بريــر لغة الأرقام تنتصر: القضارف ترسم خارطة الأمل وتقود التعافي بأساس علمي متين ..!
البعد الاخر
د مصعب بريــر
لغة الأرقام تنتصر: القضارف ترسم خارطة الأمل وتقود التعافي بأساس علمي متين ..!

في خطوة علمية مبادرة وسط غبار المعارك وتداعيات الأزمة القاسية، تبرز ولاية القضارف كنموذج استثنائي يعيد ترتيب الأولويات بوعي عميق، بإطلاقها عملية المسح الاجتماعي الشامل التي تمتد حتى الثامن والعشرين من مايو الجاري.
هذا المشروع ليس مجرد إحصاء روتيني للأرقام، بل هو بوصلة حقيقية تضعها الولاية في يد صناع القرار والمنظمات الإنسانية والفاعلين في الحقل المجتمعي؛ لتوجيه الدعم وتحديد حجم وشكل التدخلات المطلوبة لإسناد المواطنين الذين طحنتهم رحى الصراع، ليكون بذلك أول تحرك منهجي من نوعه على مستوى البلاد منذ اندلاع الحرب.
لقد أحدثت الحرب الدائرة زلزالاً عنيفاً في بنية المجتمع السوداني، فملايين الأرواح نزحت بحثاً عن الأمان، وملايين أخرى فقدت مصادر رزقها وأعمالها بعد أن أحالت نيران الصراع البنى التحتية إلى ركام.
هذا الواقع المأساوي، الذي ضاعف من معدلات الفقر والبطالة والضغوط الاقتصادية، جعل من الاعتماد على التقديرات القديمة أمراً غير مجدٍ. فآخر عملية مسح شامل شهدتها القضارف تعود لسنوات خلت، وما بين الأمس واليوم تغيرت الخارطة الديموغرافية والمعيشية بشكل جذري، مما يحتم قراءة الواقع الجديد وتأثيرات الحرب بدقة متناهية لفهم الأوضاع المعيشية وتحديد التدخل المطلوب من الدولة والمجتمع.
والمثير للانتباه في هذه الخطوة، أنها لم تأتِ كاستجابة روتينية لتوجيهات مركزية أو اجتهادات لموظفين صغار كما جرت العادة، بل نبعت بتوجيه مباشر من والي القضارف، الفريق الركن محمد أحمد حسن، إبان اجتماع لمجلس أمناء ديوان الزكاة. هذا التوجيه بضرورة توفير قاعدة بيانات دقيقة تتسم بالموضوعية، يعكس نهجاً علمياً وإدارياً يحترم لغة الأرقام في معالجة أزمات المجتمع، وهي خطوة مستنيرة يستحق عليها “الجنرال” إشادة خالصة.
ولترجمة هذا التوجه إلى واقع، نزلت إلى الميدان فرق عمل ضخمة، قوامها أكثر من أربعمائة وخمسين باحثاً وجامع بيانات، تساندهم فرق من المشرفين على مستوى الولاية والمحليات، يطرقون الأبواب منزلاً تلو الآخر عبر استراتيجية حصر دقيقة، في شراكة ذكية تضم جامعة القضارف، والجهاز المركزي للإحصاء، ووزارتي المالية والرعاية الاجتماعية، وديوان الزكاة الولائي، مع استعداد تام لزيادة عدد جامعي البيانات متى ما اقتضت الحاجة.
وإذا ما استصحبنا التجارب الدولية الشبيهة في دول خرجت من أتون الحروب والنزاعات، مثل رواندا وكولومبيا، نجد أن التعافي الحقيقي ومكافحة الفقر بدأ بخطوات مماثلة؛ حيث شكلت المسوحات الدقيقة حجر الزاوية الذي بُنيت عليه برامج الإسناد الاجتماعي والتعافي الاقتصادي.
ولتعظيم الفائدة من مسح القضارف وجعله أساساً متيناً للتدخلات المستقبلية، نوصي بشدة بإنشاء “مرصد اجتماعي دائم” يُحَدَّث دورياً بناءً على هذه البيانات، وربط مخرجات المسح بقواعد بيانات المنظمات الدولية والمحلية لضمان وصول الدعم لمستحقيه الفعليين بشفافية مطلقة، فضلاً عن تبني سياسات تنموية مصغرة تنبثق مباشرة من الاحتياجات الحقيقية للأسر التي سيفرزها هذا الإحصاء.
بعد اخير:
خلاصة القول، هنا، يبرز الدور المحوري للمواطن الذي يعتبر الأساس في إنجاح هذا المشروع الخالص. إن التجاوب مع فرق المسح الميداني والإدلاء بمعلومات حقيقية، دون زيادة أو نقصان، ليس مجرد استجابة إدارية، بل هو استثمار في المستقبل. ففوائد هذا الجهد قد لا تعود اليوم بلمح البصر، لكنها ستشكل المظلة الواقية التي ستحمي الفئات الهشة وتدعم استقرار المجتمع لاحقاً.
وأخيرًا، إن وعي إنسان القضارف وتجاوبه في هذه المرحلة الدقيقة يبعث في النفس فخراً واعتزازاً لا يضاهى؛ فهذه الولاية المعطاءة لا تكتفي بفتح ذراعيها لإيواء الفارين من جحيم الحرب، بل تبني اليوم بأساس علمي متين نموذجاً سودانياً للتعافي والتكافل، لتثبت للجميع أن إرادة الحياة والتخطيط السليم أقوى من كل أزمة، وأن الغد المشرق يبدأ من هنا، برقم صحيح وقرار شجاع.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الجمعة | 8 مايو 2026م
musapbrear@gmail.com
