منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار
*نداء إلى أبناء المحاميد في صفوف المليشيا* *بجملة تبرعات بلغت 50 مليار جنيه سوداني :  تدشين النفرة الكبرى لتأهيل طريق بربر – العبيدية – أبو حمد... *الأجهزة الأمنية… حين يتحول الانتماء إلى عقيدة وطن* ‏ *‏هاني عثمان*  *تفوق (الإعلام الغربي) مهنياً في كشف (تورط الإمارات) مقابل فشل (الإعلام العربي) الذي اكتفى بخدمة الس... *اسرة ديدان... قدَّمت أربعةً من أبنائها شهداءً في سبيل الوطن،،* *"أسرة دفع الله ديدان ".. (العود... *بدر الدين اسحق احمد يكتب :* *الحزب السياسي في السودان.. أسئلة الأزمة والتحول* *غياب البرامج التف... *حرب السودان ... تفاعلات دولية لإعادة تشكيل المشهد الإقليمي* *د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب* *الجامعة العربية تعقد اجتماعا طارئا لبحث "هجمات إثيوبية" على السودان على مستوى المندوبين الدائمين* مواطنو الشمالية يقودون الإعمار الشعبي ويطالبون بتجويد الخدمات وحل أزمات الإنتاج ​وزير زراعة الشمالية لمواطني الولاية": همومكم أمانة وسنذلل العقبات التي تعترض المزارعين

*تفوق (الإعلام الغربي) مهنياً في كشف (تورط الإمارات) مقابل فشل (الإعلام العربي) الذي اكتفى بخدمة السرديات لا الحقائق*  *بقلم : هجو احمد محمد*

0

*تفوق (الإعلام الغربي) مهنياً في كشف (تورط الإمارات) مقابل فشل (الإعلام العربي) الذي اكتفى بخدمة السرديات لا الحقائق*

 

*بقلم : هجو احمد محمد*

 

منذ اندلاع الحرب التي تقودها المليشيا وداعميها الدوليين والإقليميين ضد السودان انقسم المشهد الإعلامي العالمي إلى مسارين متوازيين لكنهما متباعدان تماماً في المضمون والكفاءة والمهنية في المسار الأول نجد أن الصحافة الغربية الاستقصائية استطاعت خلال (ثلاث سنوات) أن تقدّم سلسلة متصلة من التحقيقات المدعومة بالأدلة المادية والوثائق المسربة وصور الأقمار الاصطناعية وبيانات الطيران بحثا عن الحقيقه لتكشف بجرأة نادرة (تورط الإمارات ) وعدد من دول الجوار في حرب السودان وبالمقابل نجد أنه في المسار الثاني أن الإعلام الاعلام العربي والقنوات العربية الكبري تعامل مع الحرب كصراع داخلي سوداني وتصويرها (حرب جنرالين ) في مساواة مابين القوات المسلحة والمليشيا واكتفى في أحسن أحواله بنقل نفي الإمارات الرسمي دون تمحيص و ترديد السرديات الإماراتية الزائفة عن (دعم السلام) و(جهود الإغاثة) متجاهلاً تماماً التحقيقات الغربية التي كانت تملأ الصحف العالمية

 

وهنا لابد من إجراء تحليل مقارن لمستوى المهنية والكفاءة بين (الإعلام الغربي) و(الإعلام العربي) للإجابة عن سؤال محوري لماذا نجحت الصحافة الغربية حين فشل الإعلام العربي ؟ في كشف واحدة من أكبر جرائم التدخل الخارجي في المنطقة العربية ؟ وقبل أن نخوض في التفاصيل لابد أن نستعرض نماذج لتقارير وكالات وصحف غربية في الاستقصاء والأدلة حيث لم تكتفِ بالتصريحات أو المصادر المجهولة بل ذهبت إلى ما يمكن تسميته بـ (البصمة المادية للحرب) في السودان .

 

بدأت (رويترز) في أواخر 2023 بمراقبة حركة الطيران بين الإمارات وتشاد باستخدام بيانات تتبع الرحلات المتاحة تجاريا وتمكنت من رصد 86 رحلة شحن على الأقل لطائرات من نوع (إليوشن 76 )تحمل معدات عسكرية وأسلحة متجهة إلى مطارات صغيرة قرب الحدود السودانية وأظهرت التحقيقات أن هذه الطائرات كانت تغلق أجهزة التعريف في مراحل حرجة من الرحلة وهي ممارسة لا تفعلها إلا الطائرات المتورطة في عمليات سرية ولم تتوقف الوكالة عند الرصد، بل تتبعت الشحنة إلى منشئه أسلحة بلغارية الصنع صُدرت إلى الإمارات في 2019، ثم أعيد تصديرها (بشكل غير قانوني) إلى تشاد، ثم عبرت إلى قوات الدعم السريع في دارفور. هذا التسلسل الدقيق لم يترك مجالاً للشك فكان تقرير الوكالة صادما الإمارات .

 

في سبتمبر 2024 نشرت (نيويورك تايمز) تحقيقاً استثنائياً اعتمد على أكثر من 50 صورة أقمار اصطناعية عالية الدقة، ووثائق داخلية من وزارة الدفاع التشادية، وبيانات اتصالات مسربة. أظهر التحول الزمني لمطار (أم جرس) من مهبط ترابي بسيط إلى قاعدة عسكرية إماراتية متكاملة تضم مدرج معزز لاستقبال طائرات الشحن الثقيل وحظائر للطائرات المسيّرة (بما فيها المسيّرات الهجومية) التقرير أرفق إحداثيات دقيقة، مما يسمح لأي باحث بالتحقق من الصور بنفسه. كما كشف أن الإمارات استخدمت شركة وهمية مقرها (جيبوتي) لتمويل عمليات القاعدة.

 

بثت (بي بي سي) في مايو 2026 تحقيقاً يعد ذروة الاستقصاء التقني والذي اعتمد في فريق العمل على تحليل بيانات الهواتف المحمولة لعدد من المرتزقة الكولومبيين حيث تمكن من تتبع تحركاتهم من مدينة ميديلين في كولومبيا إلى تركيا ثم إلى الإمارات وتحديد موقع منشأة تدريب عسكري إماراتية في منطقة (غاياثي) (جنوب غرب أبو ظبي) معني بالتدريب القتالي واستخدام المسيرات وجري متابعتهم عبر الحدود الإثيوبية ثم إلى دارفور حيث شاركوا في معارك إلى جانب قوات المليشيا هذا التحقيق هو أول دليل قاطع على تورط إماراتي مباشر في القتال وليس فقط في التمويل والتسليح.

 

في 14 أبريل 2025، نشرت (الغارديان) تقريراً استند إلى وثيقة سرية لفريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالسودان، لم تكن قد صدرت رسمياً بعد وكشفت الوثيقة أن فريق الخبراء وثق رحلات جوية منتظمة من الإمارات إلى تشاد تحمل أسلحة وذخائر.

إضافة إلي وجود خبراء عسكريين إماراتيين في تشاد وإثيوبيا لتقديم الدعم الفني لقوات الدعم السريع كما وثق التقرير انتهاكات حظر السلاح الذي تفرضه الأمم المتحدة على دارفور منذ 2005 واللافت أن التقرير الأممي نفسه أشار إلى أنه استند في جزء كبير منه إلى تحقيقات (الغارديان) و(رويترز) و(نيويورك تايمز)، مما يعني أن الصحافة الغربية أصبحت مصدراً أساسياً للأدلة للأمم المتحدة ذاتها.

ولم تكتفي الصحافة الغربية بتتبع الأسلحة وطائرات الشحن فقد نشرت (الغارديان) تحقيقاً مالياً بامتياز اعتمدت فيه على سجلات عقارية رسمية من دبي أظهرت امتلاك (حميدتي) وقادة آخرين في المليشيا لعقارات فاخرة في مجمعات مسورة بقيمة إجمالية تتجاوز 24 مليون دولار إضافة إلي وثائق شركات تظهر استخدام شركات وهمية مسجلة في المناطق الحرة بالإمارات لشراء هذه العقارات وتملكها وقدمت تحليلات لتدفقات الذهب تربط بين الذهب المهرب من مناجم دارفور التي تسيطر عليها المليشيا

 

على الجانب الآخر يبدو المشهد الإعلامي العربي قاتماً من الناحية المهنية خاصة القنوات العربية الكبرى التي يفترض أنها تقدم تغطية للحرب في بلد عربي فشلت تماماً في القيام بدور الرقيب أو الكاشف للحقيقه وكانت أبرز ملامح التغطية العربية هو غياب تام للتحقيقات الاستقصائية حيث لم تبث أي قناة عربية (باستثناء قنوات صغيرة لا تأثير لها) تحقيقاً خاصاً بها حول تورط الإمارات ولم ترسل أي قناة فريقاً إلى تشاد أو إثيوبيا لتقصي الحقائق او تحلل صوراً فضائية أو بيانات طيران هذا العجز ليس بسبب نقص الإمكانات فجميعها يمتلك ميزانيات ضخمة وطواقم كبيرة وانما بسبب غياب الاستقلالية والخوف من الممول وكلما خرج تقرير أممي أو تحقيق غربي يتهم الإمارات كانت القنوات العربية تتصل بـمصدر ( إماراتي) ينفي ثم تكتفي بعرض النفي بطريقة تثير الشفقة حيث يصبح النفي كافياً لإغلاق الباب وانهاء التغطية وعندما نشرت (الغارديان) الوثيقة الأممية السرية في أبريل 2025، لم تذكره أي قناة عربية كبرى وعندما صدر التقرير الرسمي للأمم المتحدة لاحقاً اقتصرت التغطية على عناوين مبهمه ومضلله مثل (السودان يطلب تحقيقاً) أو (الإمارات ترفض) دون عرض محتوى التقرير هذا الصمت المتعمد يخالف أبسط مبادئ المهنية والكفاءة ويفضح أسس التغطية العادلة .

 

ومنذ اندلاع الحرب كان الإطار السائد في الإعلام العربي هو (الجيش ضد الدعم السريع) مع إسقاطات على شاكلة (فلول النظام) و(الانقلابيين) أو (الاسلاميين ) هذا الإطار يتجاهل تماماً البعد الإقليمي والدولي للحرب في تبسيط مخل ومشيت كأن الإمارات وإثيوبيا وليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطي كلها غير موجودة رغم ذلك لا يمكن القول إن كل الإعلام العربي كان سيئاً هناك استثناءات قليلة لقنوات قدمت حلقات نقدية محدودة ونشرت تقارير متوازنة إلا أن تأثيرها محدود ولكن هذه الاستثناءات لا تغير الصورة الكلية للإعلام العربي السائد الذي تخلى عن دوره المهني بحيدة وعدالة .

 

هنا نصل إلى قلب السؤال.. لماذا الصحافة الغربية استطاعت أن تفعل ما عجز عنه الإعلام العربي؟ في الغرب نجد أن الصحف والوكالات تتمتع باستقلالية تامه محمية بالقوانين كشركات مساهمة عامة أو ممولة برسوم المشاهدين ولا توجد حكومة أو جهة تتحكم بها في المقابل القنوات العربية الكبرى أما أن تملكها شخصيات مرتبطة بالأنظمة الحاكمة أو تملكها دول لذلك نجد أن التحقيق ضد الجهة التي قد تمول القناة أو تمارس ضغوطاً عليها تخشي الخوف من فقدان التمويل أو الإعلانات أو تراخيص البث كرادع إضافة إلي أن الصحف الغربية لديها أقسام كاملة تضم صحفيين مدربين على أدوات الاستقصاء الرقمي ولديهم ميزانيات لشراء صور الأقمار الاصطناعية وقواعد بيانات الطيران وأدوات تحليل الوسائط الجغرافية أما في العالم العربي هذه الأقسام إما معدومة أو هزيلة جداً وتعتمد غالباً على (مصادر) وليس على أدلة مادية وليس لديها قوانين تحمي الصحافة الاستقصائية كما هو الحال في الدول الغربية .

 

ما قامت به الصحافة الغربية في ملف الحرب ضد السودان ليس مجرد (تغطية أفضل) بل هو نموذج في العمل الصحفي الاستقصائي بالاعتماد على الأدلة المادية المثابرة لسنوات ونشر الحقيقة بمهنية عالية أما الإعلام العربي أثبت أنه في لحظة الحقيقة لا يمكنه تجاوز تبعيته للسلطة والمال وغابت عنه التحقيقات وحضرت البيانات

العبرة ليست في (الاعلام الغربي أفضل) بل في أن غياب( الإعلام الحر) والمستقل يكلّف الشعوب ثمناً باهظاً فبينما كانت طائرات الشحن الإماراتية تحط في قواعد تشادية ومرتزقة كولومبيا يتدربون في صحراء أبو ظبي وذهب دارفور يتحول إلى شقق فاخرة في دبي، كان المشاهد العربي يتفرج على نشرات تعلن أن (الإمارات تؤكد التزامها بالسلام في السودان) في تغطية تخدم السرديات لا الحقيقة؟

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.