المفاوضات: بين طاولة (المنتصر) ووسادة (الخاسر) بقلم: هجو أحمد محمد
المفاوضات: بين طاولة (المنتصر) ووسادة (الخاسر)
بقلم: هجو أحمد محمد

في الأزمات الوطنية الكبرى، لا يكمن الخطر الأكبر دائمًا في قرار (التفاوض) ذاته، بل في (المنهج التفاوضي) الذي يحبس المفاوضات خلف جدران منيعة تفصل (صناعة القرار) عن (نبض الشارع)، وسط تزايد التكهّنات والإشاعات تحت ضغوط خارجية طاغية، والخوف من اتخاذ قرارات فردية بمعزل عن (الإرادة الشعبية).
ليس المطلوب رفض التفاوض كفكرة مبدئية — فالدول تتفاوض تحت أي ظروف وضغوط وأثناء الحروب — بل المطلوب هو نهج تفاوضي يدرك أن التفاوض في غياب رأي عام واعٍ وموجَّه هو مُقامرة بثقة الشعب نفسه حين يُفاجأ بردود الفعل بعد فوات الأوان. وفي أوقات الحروب، الفارق الحاسم ليس بين مؤيد ورافض للمفاوضات، بل بين من يجعلها (فخًّا) يستدرج به الضعيف، ومن يُحوّلها إلى (سلاح) يقهر به القوي. وهذه هي المعضلة التي تواجهها البلاد في تعاملها مع دور الإمارات في هندسة الحرب في السودان.
الخشية التي تُعبِّر عنها الأوساط الشعبية من طاولة المفاوضات ليست وليدة عاطفة، بل نابعة من تحليل عقلاني لسلوك الخصوم. فالإمارات، التي أخفقت في تحقيق أهدافها العسكرية عبر المليشيات والمرتزقة، قد تسعى إلى تحقيق ذات الأهداف على (الطاولة البيضاء) بغطاء سياسي وقانوني، للحصول على شرعية إقليمية أو اعتراف بمصالح اقتصادية أو إفلات من عقاب جرائم الحرب الموثَّقة دوليًا.
هذا الخوف، بدلًا من تجاهله، ينبغي أن يُحوَّل إلى وقود لاستراتيجية تفاوضية ذكية. وهنا تبرز معضلة استراتيجية التواصل المفقودة، التي تقوم على الشفافية الاستباقية لا السرية التفاعلية؛ فالمؤسسة الرسمية يجب أن تسبق الحدث بإعلان أهدافها وخطوطها الحمراء، وتحويل النقاش من “لماذا في الخفاء؟” إلى “كيف نضمن المصالح؟”، فتبني ثقة الجمهور بروايتها الخاصة قبل أن تبنى التكهنات روايتها.
أما سلاح الإعلام، فهو أسرع أدوات الخصم لإثارة الرأي العام الداخلي ضد المفاوضات، لذا يجب مجابهته بخطة ذكية وحذرة، لا بردود فعل انفعالية.
ومن هنا، فإن أي تفاوض جاد يجب أن يبدأ بشرط مسبق لا يمكن تجاوزه: اعتراف الإمارات الصريح وغير المشروط بما قامت به ضد السودان، كشرط عملي لكسر جدار المرواغة. فبدون هذا الاعتراف يتحول الإنكار إلى غطاء للخروقات، وتصبح المفاوضات فخًا لا سلاحًا.
المفتاح الحقيقي للمفاوضات هو استمرار الانتصار بوسائل أخرى لمصلحة البلاد، لا استمرار الحرب بوسائل أخرى لمصلحة الخصم. والشعب السوداني يريد تفاوضًا من موقع (المنتصر) الذي يفرض شروطه، لا (الخاسر) الذي يستجدي رحمة الخصم..
