*البعد- الاخر* *مصعب برير* *وزارة الأوقاف أم مجلس الحج؟.. صراع كسر الارادة الذي أقعد الخدمة المدنية*
البعد_الاخر
مصعب بريــر
وزارةُ الأوقافِ أم مجلسُ الحج. صراعُ كسرِ الإرادةِ الذي أقعدَ الخدمةَ المدنية

هل تساءلت يوماً كيف يمكن لمؤسسة حكومية كاملة، تُعنى بأشرف المناسك وأقربها لقلوب الناس، أن تصبح فجأة مسرحاً لشد الحبل الإداري؟ المشهد الذي نعيشه اليوم ليس مجرد تباين عابر في وجهات النظر، بل هو مرآة تعكس معضلة أعمق ظلّت تؤرق جسد الخدمة المدنية في بلادنا لسنوات طويلة. القصة تبدو في ظاهرها صراعاً بين شخصين، لكنها في العمق تكشف عن أزمة هيكلية مزمنة تتعلق بضبابية الحدود الفاصلة بين الصلاحيات والاختصاصات، وهي الثغرة التي لطالما أقعدت دولاب العمل الحكومي عن الدوران بالسلاسة المطلوبة.
الشرارة انطلقت علناً حين وصل الخلاف بين وزير الشؤون الدينية والأوقاف، أ. بشير هارون، والأمين العام المكلف للمجلس الأعلى للحج والعمرة، عمر مصطفى، إلى طريق مسدود تماماً. وتأكد هذا الصدام بصدور القرار الوزاري رقم (20) لسنة 2026،، والذي قضى بتجميد مهام الأمين العام المكلف وإيقافه عن ممارسة أي أعمال إدارية أو مخاطبات رسمية باسم المجلس. هذا الإجراء التصعيدي نقل الأزمة مباشرة من كواليس المكاتب المغلقة إلى العلن، ليضع الساحة الإدارية والسياسية أمام مواجهة قانونية وتنظيمية مباشرة تبحث عن حسم سريع ومسؤول.
الآن، تتجه كل الأنظار صوب مكتب رئيس الوزراء، حيث يترقب الجميع لمعرفة كيف سيتعامل بروف كامل إدريس مع هذه العقدة الإدارية الشائكة. جوهر النزاع يكمن في تفسير اللوائح؛ فالأمين العام المُجمد يرى أن المجلس الأعلى للحج والعمرة هيئة مستقلة بذاتها، وبالتالي لا يملك الوزير سلطة إعفائه أو تعيين بديل له، كون هذا الحق حصرياً لرئيس مجلس الوزراء. وفي المقابل، يستند الوزير في قراره إلى السلطات المخولة له بموجب قرار تعيينه، وإلى قانون الخدمة المدنية القومية لعام 2007، معتبراً الإجراء خطوة ضرورية لإحكام العمل الإداري ووقف ما وصفه بالتجاوزات.
هذه الحالة تذكرنا بتجارب دولية عديدة مرت بأزمات تشابه إداري مماثلة، كالتجربة الماليزية في تنظيم شؤون الحج عبر مؤسسة “تابونج حاجي”. ماليزيا فطنت مبكراً لخطورة تداخل الصلاحيات، ففصلت بوضوح قاطع بين الدور الرقابي والتشريعي للوزارة، والدور التنفيذي المستقل للهيئة، مما جنبها مثل هذه الصراعات الإدارية المعطلة. غياب هذا الفرز الحاسم في نموذجنا المحلي هو ما يجعل الصراع يتجاوز حدود التباين المهني، ليتحول إلى معركة كسر إرادة، يدفع ثمنها المواطن البسيط الذي ينتظر خدمة متميزة وتنسيقاً عالي المستوى لشعيرة الحج والعمرة دون إبطاء.
إن الخطر الحقيقي في هذه الواقعة لا يقف عند حدود تجميد مسؤول أو تكليف آخر، بل يكمن في حالة الشلل الإداري والتوتر الفكري التي تصيب المؤسسة المعنية بخدمة ضيوف الرحمن. عندما تستهلك القيادات طاقتها في إثبات أحقية الصلاحيات ومطاردة الثغرات القانونية، تضيع الرؤية الإستراتيجية وتتراجع جودة الأداء الفعلي على الأرض. هذه الحادثة يجب ألا تمر كحدث عابر أو خلاف شخصي يُطوى بتسوية مؤقتة، بل ينبغي أن تكون جرس إنذار صاخب يستدعي ثورة تصحيحية شاملة تعيد صياغة القوانين المنظمة للخدمة المدنية بوضوح لا يحتمل التأويل.
بعد اخير :
خلاصة القول، ما يحدث اليوم في دهاليز وزارة الشؤون الدينية ومجلس الحج هو تجسيد حي للأمراض الهيكلية التي أقعدت مؤسساتنا، والكرة الآن في ملعب القيادة التنفيذية العليا لوضع حد قطعي لهذا التداخل. إن حسم هذا النزاع لا يحتاج إلى مسكنات سياسية أو ترضيات شخصية، بل يتطلب جراحة قانونية صارمة ترسم خطوطاً فاصلة لا تتداخل بين الوزير والمدير.
وأخيرًا، الإدارة ليست ساحة لفرض النفوذ، بل هي التزام وتناغم يؤسس لدولة المؤسسات الحقيقية. وبدون قواعد لعبة واضحة وملزمة للجميع، ستظل الخدمة المدنية تدور في حلقة مفرغة من الصراعات الهامشية التي تلتهم الوقت والجهد. ويبقى السؤال المعلق في أذهان الجميع: متى تنتهي موضة “تقاطع الصلاحيات” لتبدأ دولة القانون؟
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الثلاثاء | 16 يونيو 2026م
musapbrear@gmail.com
