من بدأ الحرب.. ومن سيكتب نهايتها؟ ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف
من بدأ الحرب.. ومن سيكتب نهايتها؟
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

ظل السؤال منذ اندلاع حرب السودان يدور حول من أطلق الطلقة الأولى، وكأن الرصاصة وحدها تستطيع تفسير الحرب، أو كأن الخامس عشر من أبريل كان لحظة منفصلة عما سبقه من ترتيبات وتحالفات وحسابات ومشروعات سلطة.
لكن السؤال الأهم اليوم لم يعد: من أطلق الطلقة الأولى؟
السؤال هو: من سيكتب النهاية؟ ومن سيملك الكلمة الأخيرة في تعريف الدولة السودانية؟
فالحروب لا تبدأ دائما في الميدان. بعضها يبدأ في السياسة، حين تتعدد مراكز القوة، وتصبح الشرعية قابلة للمساومة، ويعتقد طرف ما أن السلاح يمكن أن يختصر الطريق إلى السلطة.
ومن هذه الزاوية تكتسب الإفادات التي تحدثت عن ساعة صفر، وترتيبات لحكومة جديدة، وتصور لليوم التالي، أهمية استثنائية. فإذا صحت هذه الروايات وثبتت بالوثائق والشهادات، فإننا لا نكون أمام احتكاك عسكري مفاجئ، بل أمام مشروع كان يتهيأ لفرض واقع سياسي جديد بالقوة.
وهنا لا تقع المسؤولية على البندقية وحدها، بل على من خطط، ومن وفر الغطاء، ومن ظن أن الدولة يمكن أن تختطف في ساعات، وأن سلطة جديدة يمكن أن تولد من فوهة السلاح.
إن جوهر الأزمة السودانية لم يكن خلافا بين جنرالين، كما حاول البعض تبسيطه، بل صراعا على تعريف الدولة نفسها: هل تكون هناك دولة واحدة، بجيش واحد، وقرار واحد، وشرعية واحدة، أم تصبح البلاد ساحة لقوى مسلحة ومشروعات سياسية متنافسة؟
إن مليشيا دقلو، وما ارتبط بها من مشروع سياسي وتحالفات ومساندة من بعض القوى، لم تكن تتحرك في فراغ. لقد نشأت في بيئة سياسية اعتقد فيها بعض الساسة أن القوة المسلحة يمكن أن تكون أداة لإعادة تشكيل موازين الحكم.
لكن السياسة التي تستقوي بالسلاح تفقد طبيعتها، والسلاح الذي يدخل سوق السلطة لا يبقى مجرد شريك؛ سرعان ما يتحول إلى صاحب مشروع ومطالب وسيادة موازية.
وهنا يصبح سؤال النهاية أهم من سؤال البداية.
من سيكتب النهاية؟
الجواب الذي يريده السودان دولة لا غنيمة هو أن تكون الكلمة الأخيرة للجيش السوداني، لا بمنطق الانتقام، وإنما بمنطق استعادة الدولة لحقها الطبيعي في احتكار القوة وحماية السيادة.
فالجيش لا ينتصر فقط حين يهزم خصمه في الميدان، بل حين يعيد بناء دولة لا تستطيع أي مليشيا أن تنشأ داخلها مرة أخرى.
الانتصار الحقيقي ليس استعادة شارع أو مدينة فقط، بل استعادة مفهوم الدولة.
أن يصبح حمل السلاح خارج المؤسسة الوطنية جريمة لا طريقا إلى التفاوض.
وأن تصبح السلطة نتيجة للقانون والإرادة الوطنية، لا ثمرة للتفوق العسكري.
وأن ينتهي نهائيا زمن الجيوش الموازية والشرعيات المتعددة.
ولهذا فإن مسؤولية ما بعد الحرب ستكون أخطر من الحرب نفسها.
فإذا انتهى القتال وبقيت الأسباب التي صنعت المليشيات، ستعود الأزمة.
وإذا انتصر الجيش ولم تنتصر الدولة، فإن الحرب ستتبدل في الشكل فقط.
أما من دبر في الظلام، ومن بدأ الظلم، ومن راهن على أن السودان يمكن أن يؤخذ بالقوة، فقد يستطيع أن يشعل الحرب، لكنه لا يملك بالضرورة أن يكتب خاتمتها.
فالتاريخ يعلمنا أن من يبدأ الحرب ليس دائما من يملك نهايتها.
والنهاية الحقيقية ليست رصاصة انتقام، بل إعلان نهاية عصر كامل من ازدواج السلاح والسلطة.
وباذن الله، ستكون الكلمة الأخيرة للدولة السودانية، وجيشها، ومؤسساتها، وقانونها.
فقد يبدأ المغامر الحرب.
لكن الذي يكتب النهاية يجب أن يكون الوطن.
