منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

حين تُمنع تأشيرة… فليُفتح دفتر المعاملة بالمثل =============== بقلم ✍️:حسبو علي بخيت

0

حين تُمنع تأشيرة… فليُفتح دفتر المعاملة بالمثل
بقلم ✍🏼:حسبو علي بخيت


أفادت التقارير، وضجّت وكالات الأنباء والقنوات العالمية ووسائل التواصل الاجتماعي، بأن الولايات المتحدة لم تمنح رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، تأشيرة الدخول للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقامت بربط الأمر بموقف الخرطوم من مقترح هدنة في السودان، وراعي الضأن في الخلاء يعلم أن الهدف الأول والأخير من الهدنة هو نفخ الروح في المليشيا المتمردة، التي ضاقت عليها الأرض بما رحبت، وأصبح شبح الانهيار والموت يحيط بها إحاطة السوار بالمعصم.
وأثارت هذه المسألة اهتمام الأمانة العامة للأمم المتحدة، التي عبّرت عن قلقها ودخلت في اتصالات مع الجانب الأمريكي.
وهنا لا بد أن تُقال الكلمة بكل الشجاعة والقوة التي تحفظ كرامة الدولة السودانية: إذا أرادت واشنطن أن تجعل التأشيرة أداة ضغط سياسي على السودان، فعلى الخرطوم أن تعرف كيف تستخدم أدواتها الدبلوماسية دفاعاً عن سيادتها وكرامتها ورمز عزتها وشرفها.
إن الشعب السوداني ليس دعاة قطيعة مع الولايات المتحدة، ولا أنصاراً للخصومة من أجل الخصومة؛ ولكننا نرفض أن تتحول العلاقة بين دولتين إلى علاقة آمرٍ ومأمور، أو مانحٍ ومستجدٍ، أو دولةٍ تملك حق المنح والمنع، ودولةٍ عليها أن تصمت وتنتظر.
إن السودان دولة ذات سيادة، ورئيس مجلس السيادة، الفريق البرهان، هو رمز العزة والكرامة والشموخ والكبرياء للسودان.
والسودان، مهما أثقلته الحرب، ومهما أنهكته الأزمات، ومهما تكالبت عليه الضغوط، لن ينكسر ولا يركع للوصايا التي تمس سيادة وكرامة رمز الدولة. والحرب لا تُسقط السيادة، والأزمة لا تُسقط الكرامة، والحاجة لا تمنح الآخرين حق الوصاية والاستخفاف بشعب السودان.
ومن هنا، فإن أول ما ينبغي أن تفعله الحكومة السودانية هو استدعاء أدوات الدبلوماسية بالمثل، ومراجعة كل الترتيبات المتعلقة بحركة الدبلوماسيين والمسؤولين الأمريكيين داخل السودان، ومراجعة سياسة منح التأشيرات للمواطنين الأمريكيين على قاعدة واضحة: ما يُعامل به السودانيون في الولايات المتحدة، يُراجع في السودان على أساس المعاملة بالمثل.
أما أن يُطلب من السودان أن يفتح أبوابه بلا حدود، بينما تُغلق أبواب أخرى في وجه قيادة الدولة السودانية ورمز شرفها، رئيس مجلس السيادة الفريق البرهان، فذلك ميزان مختل لا يستقيم مع مفهوم العلاقات بين الدول.
وليس في هذا الموقف خروجٌ عن الدبلوماسية؛ بل قد يكون هو الدبلوماسية حين تتحول المجاملة إلى ضعف، والصمت إلى تنازل، والتنازل إلى عادة.
وقد عرف السودان في تاريخه الدبلوماسي رجالاً أدركوا أن الدبلوماسية ليست ابتسامة أمام الكاميرات، ولا عبارات بروتوكولية محفوظة؛ وإنما هي مصالح تُصان، وحقوق تُنتزع، ومواقف تُثبت، ورسائل تُقرأ جيداً.
وفي هذا السياق، يُستحضر أسلوب فارس الدبلوماسية السودانية، الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل، وزير الخارجية السوداني الأسبق، الذي عُرف بالحضور القوي في الملفات الخارجية، وباستخدام أدوات الدبلوماسية الصلبة عندما تقتضي المصلحة الوطنية، وضرب أروع الأمثال في البسالة والشجاعة الدبلوماسية عندما قام بتحديد تحركات البعثة الدبلوماسية الأمريكية بالسودان في إطار ضيق.
ولذلك، فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الإدارة الأمريكية ليست رسالة غضب، وإنما رسالة دولة ذات كرامة وشجاعة وقوة.
إذا كانت واشنطن تملك حق مراجعة تأشيرات السودانيين، فإن الخرطوم تملك حق مراجعة تأشيرات الأمريكيين. وإذا كانت واشنطن تملك حق تقييد حركة المسؤولين السودانيين، فإن السودان يملك حق مراجعة حركة المسؤولين والدبلوماسيين الأمريكيين داخل أراضيه.
وإذا أرادت واشنطن الندية، فمرحباً بالندية؛ وإذا أرادت الوصاية، فالسودان ليس ساحةً للوصاية.
وليس المطلوب من الخرطوم أن ترفع صوتها بالتنديد والإدانة والشجب؛ المطلوب أن ترفع سقف موقفها بقوة في وجه الصلف الأمريكي.
فالدول لا تحفظ هيبتها بكثرة البيانات، وإنما بوضع الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها والعبث حولها.
لقد آن للسودان أن يخرج من دبلوماسية ردّ الفعل إلى دبلوماسية الفعل، ومن انتظار ما تفعله العواصم الكبرى إلى صناعة موقف يحفظ هيبة الدولة والمصالح الوطنية.
نريد السلام، نعم.
نريد الحوار، نعم.
نريد علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة وسائر دول العالم، نعم، بشرط ألا تمس كرامة الشعب السوداني وقيادة الدولة. ونريد من المجتمع الدولي شيئاً لا يقبل المساومة: نريد الاحترام المتبادل بين كافة شعوب العالم.
وللرئاسة الأمريكية نقول، بلسان سوداني واضح: نحن أهل بأس شديد، لا يمكن أن نساوم على كرامة الوطن. إن التأشيرة إجراء دبلوماسي، أما كرامة السودان فليست تأشيرة قابلة للمنح والمنع.
وإذا اختارت واشنطن سياسة الأبواب المغلقة، فعلى الخرطوم أن تعرف كيف تُغلق أبواباً مقابلة، لا انتقاماً، وإنما تأكيداً لمبدأ بسيط: الدولة التي تطلب من الآخرين أن يحترموها، فعليها أن تحترم نفسها.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.