_فن التعامل مع الآخرين وخشية الله ✍️: فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد
_فن التعامل مع الآخرين وخشية الله
✍️: فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد

ليست قيمة الإنسان فيما يملك من علم أو منصب أو سلطة فحسب، وإنما تظهر حقيقته في طريقة تعامله مع الآخرين؛ فالكلمة، والابتسامة، وحسن الاستماع، واحترام مشاعر الناس، وضبط الغضب، كلها سلوكيات تكشف معدن الإنسان وأخلاقه.
وفن التعامل مع الآخرين ليس مجرد مجموعة من المهارات المكتسبة، بل هو قبل ذلك سلوك أخلاقي وضمير حي. وأعمق ما يمكن أن يؤسس لهذا السلوك هو خشية الله واستشعار مراقبته.
فالإنسان الذي يخشى الله لا يحسن التعامل مع الآخرين أمام الناس فقط، وإنما يحسن التعامل معهم حتى عندما لا تكون هناك رقابة؛ لأنه يعلم أن الله مطلع على السر والعلن.
قال تعالى:﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.
وقال سبحانه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾.
وهذه الآيات ترسم منهجًا متكاملًا في التعامل: قول حسن، وعدل، وإحسان، ودفع الإساءة بالحسنى.
الكلمة الطيبة ليست أمرًا هامشيًا
قد ينسى الإنسان كثيرًا مما قيل له، لكنه قد لا ينسى كلمة طيبة قيلت له في وقت كان فيه ضعيفًا أو حزينًا أو محتاجًا.
ولهذا فإن الكلمة الطيبة ليست مجاملة فارغة، وإنما قد تكون سببًا في طمأنينة إنسان، وإعادة ثقته بنفسه، وتخفيف ألمه.
وفي المقابل، فإن الكلمة الجارحة قد تترك أثرًا عميقًا في النفس، حتى بعد انتهاء الموقف.
قال النبي ﷺ:
«إن من خياركم أحاسنكم أخلاقًا».
فحسن الخلق ليس أمرًا ثانويًا في حياة المسلم، بل هو من أعظم مظاهر كمال الشخصية.
المريض نموذج واضح للحاجة إلى التعامل الإنساني
ويظهر أثر فن التعامل بصورة أوضح في المجال الطبي؛ فالمريض يدخل العيادة وهو في حالة ضعف وقلق، لأن المرض سلطان يسيطر على الإنسان، ويؤثر في قدرته على الاحتمال والتفكير والتصرف.
ومن واقع التواصل مع عدد من كبار الأطباء المصريين والأردنيين، يلفت النظر أن الطبيب قد يرد على مكالمتك بنفسه، بل قد يتجاوز ذلك إلى متابعة حالتك والسؤال عن تطوراتها والاطمئنان عليك.
هذه الممارسات قد تبدو بسيطة، لكنها بالنسبة للمريض تعني الكثير؛ لأنها تشعره بأنه ليس مجرد رقم في قائمة المرضى، وإنما إنسان له قيمة وكرامة.
والمواطن ليس لديه مانع من دفع قيمة الخدمة الطبية، بل قد يدفعها وهو راضٍ عندما يجد مقابلها خدمة مهنية وإنسانية حقيقية.
فالمشكلة ليست في أن يدفع الإنسان، وإنما في أن يدفع ثم لا يجد الاحترام والاهتمام وجودة الخدمة التي يستحقها.
الموظف واجهة المؤسسة
ولا يقتصر فن التعامل على الطبيب وحده، بل يشمل كل العاملين في المؤسسة.
فالسكرتارية، مثلًا، لا ينبغي أن تكون مهمتها محصورة في التحصيل المالي وتنظيم المواعيد؛ فهي الواجهة الأولى للمؤسسة، ومن خلالها تتكون لدى المراجع الصورة الأولى عن المكان.
والتعامل الجاف أو المتعالي قد يفسد تجربة المراجع مهما كان مستوى الخدمة الفنية، بينما الاستقبال الجيد والاحترام وحسن الاستماع يمكن أن يصنعوا فرقًا كبيرًا.
خشية الله هي الضمان الحقيقي
يمكن تدريب الإنسان على مهارات التواصل، وتعليمه لغة الجسد، وفنون الاستماع، وإدارة الغضب، والتعامل مع الشخصيات المختلفة، لكن كل هذه المهارات تحتاج إلى ضمير يحكم استخدامها.
وهنا تأتي خشية الله.
المهارة تعلمك كيف تتعامل مع الناس، أما خشية الله فتجعلك تحسن التعامل معهم حتى عندما لا تكون هناك رقابة.
فالخوف من القانون قد يمنع الإنسان من الخطأ عندما يكون الشرطي حاضرًا، لكن خشية الله تمنعه من الظلم حتى عندما يكون بعيدًا عن أعين الناس.
والتدريب الحقيقي لا ينبغي أن يكتفي بصناعة موظف يعرف الإجراءات، وإنما يجب أن يسهم في صناعة إنسان يحترم الإنسان.
خلاصة
فن التعامل مع الآخرين يبدأ من الداخل قبل أن يظهر في السلوك الخارجي.
فإذا صلحت علاقة الإنسان بربه، واستشعر مراقبته، انعكس ذلك على تعامله مع الناس: عدلًا، ورحمةً، وأمانةً، واحترامًا، وضبطًا للسان، وإحسانًا في المواقف الصعبة.
ولهذا فإننا حين نعلّم أبناءنا وموظفينا وضباطنا وأطباءنا ومقدمّي الخدمة فن التعامل مع الآخرين، ينبغي ألا نعلمهم المهارات وحدها، بل نربطها بالمسؤولية الأخلاقية وخشية الله.
فالإنسان قد ينسى مهارة تعلمها، لكنه إذا تربى على مراقبة الله أصبح حسن التعامل خلقًا ثابتًا، لا سلوكًا مؤقتًا قال تعالي :﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
